الإيمان ولذته ما يحتمل به الأذى، والنعم التي تصل إليه أكثر، والذي يحصل للكفار من الهلاك أعظم بكثير، من غير عوض لا آجلًا ولا عاجلًا [1] .
إذًا فالغربة المستحكمة المطبقة على الأرض كلها، بحيث يغدو الدين غريبًا في زمن من الأزمنة، في بقاع الأرض كلها، كا حدث قبل بعثة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، لا يكون في أمته صلى اللَّه عليه وسلم إلا بعد عهد عيسى عليه السلام، وقبل الساعة [2] ، وكذلك الاستضعاف الكلي لكل الأمة في الأرض كلها لا يمكن أن يقع، بل دلت الآيات والأحاديث على خلاف هذا.
ومن جملة هذه الأدلة قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [3] ، وقال عز وجل: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [4] ،"أى: عامة المؤمنين بعد إجلاء الكفار وهذا وعد منه تعالى بإظهار الدين وإعزاز أهله" [5] .
عن أبي بن كعب -رضي اللَّه عنه- قال: لما قدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، كانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: (ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا اللَّه؟ فنزلت: وَعَدَ
(1) انظر: الفتاوى، 18/ 291 - 296.
(2) انظر: الغرباء الأولون، سلمان بن فهد العودة، المملكة العربية السعودية: دار ابن الجوزي، ط 1، 1412 هـ، ص 28.
(3) سورة غافر، الآية [51] .
(4) سورة الأنبياء، الآية [105] .
(5) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم (تفسير أبي السعود) ، محمد بن محمد العمادي، دار إحياء التراث العربي: بيروت، ط 1، د. ت، 6/ 88.