لقد وقع البوصيري وأمثاله من الغلاة في لبس ومغالطة لمعنى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم: { لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا:عبد الله ورسوله } (1) ، فزعموا أن الإطراء المنهي عنه في هذا الحديث هو الإطراء المماثل لإطراء النصارى ابن مريم وما عدا ذلك فهو سائغ مقبول، مع أن آخر الحديث يردّ قولهم؛ فإن قوله- عليه الصلاة والسلام-: إنما أنا
عبد فقولوا:عبد الله ورسوله تقرير للوسطية تجاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فهو عبد لا يُعبد،
ورسول لا يُكذب، والمبالغة في مدحه تؤول إلى ما وقع فيه النصارى من الغلو في عيسى- عليه السلام-، وبهذا يُعلم أن حرف الكاف في قوله - صلى الله عليه وسلم: { كما أطرت } هي كاف التعليل، أي كما بالغت النصارى (2) .
ويقول ابن الجوزي- في شرحه لهذا الحديث-:(لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه؛ لأنَّا
لا نعلم أحدًا ادعى في نبينا ما ادعته النصارى في عيسى- عليه السلام- وإنما سبب النهي فيما لم يظهر ما وقع في حديث معاذ بن جبل لما استأذن في السجود له فامتنع ونهاه؛ فكأنه خشي أن يبالغ غيره بما هو فوق ذلك فبادر إلى النهي تأكيدًا للأمر) (3) .
4-وقال أيضًا:
لو ناسبت قدره آياته عظمًا أحيا اسمه حين يُدعى دارس الرمم
يقول بعض شرّاح هذه القصيدة: (لو ناسبت آياته ومعجزاته عظم قدره عند الله- تعالى- وكل قربه وزلفاه عنده لكان من جملة تلك الآيات أن يحيي الله العظام الرفات ببركة اسمه وحرمة ذكره) (4) .
(1) :أخرجه البخاري (ح 3445) .
(2) :انظر"القول المفيد" (1/376) ، و"مفاهيمنا"لصالح آل الشيخ (ص226) ، و"محبة الرسول"لعبد الرؤوف عثمان (ص208) .
(3) :"فتح الباري" (12/149) .
(4) :"غاية الأماني"للآلوسي (2/349) .