فهرس الكتاب
فإن المتأمل إذا تأمل الليل والنهار وجد هذا يدخل في هذا، وذاك يدخل في ذاك وهذا يطول وذاك يقصر، علم أن الليل من حيث كونه ليلًا والنهار من حيث كونه نهارًا أنها أشياء لا يمكن أن تأتي بنفسها، بل هي مفعول بها، ظاهر الليل ما هو؟ ذهاب الضواء، والنهار ما هو؟ مجيء الضواء، الشمس أتت بضيائها فصار نهارًا، القمر لما ذهبت الشمس أتى القمر فصار ليل، هذا لا شك يدل على أن هذه الأشياء مفعولٌ بها، وإذا كانت مفعولًا بها، فمن الذي فعلها؟ هذا السؤال الجواب عليه سهلٌ ميسور لأكثر الناظرين بل لكل ناظر ألا وهو أن هذه تدل على أنها محدثة ولابد لها من محدث، وأن محدثها هو الذي خلقها وسيرها على هذا النحو الدقيق العجيب، وهو رب العالمين. لهذا قال في الآية الأخرى آية الأعراف: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيامٍ ثم استوى على العرش يغشي الليل والنهار يطلبه حثيثًا} ، يغشي الليل يجعل الليل غشاء للنهار، يطلبه هذا يذهب وهذا يطلب الآخر، يزيد مرة ياخذ الليل من النهار، ويزيد جذبًا ويطلبه طلبًا حاثًا، ومرة النهار يأخذ ويطلب من الليل طلبًا حاثًا، قال: {يغشي} ، من المغشي والمغشّي؟ هو الله -جل وعلا- {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا والشمس والقمر والنجوم مسخراتٍ بأمره ألا له الخلق والمر تبارك الله رب العالمين} ، فذكر الربوبية للعالمين بعد ذكر هذه الأصناف من الآيات والمخلوقات. ثم ذكر أن معنى الربوبية هو العبادة، والدليل قوله -جل وعلا-: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} ، وهذه الآية فيها أمر وهو أول أمرٍ في القرآن. أول أمرٍ في القرآن، الأمر بعبادة الله، قال: {اعبدوا ربكم} ، الرب وقعت عليه العبادة، لأنه مفعول به {اعبدوا ربكم} ، فالعابد هم الناس والمعبود هو الرب، أليس كذلك؟ فتلخص أن الرب هو المعبود، لأنه قال: {اعبدوا ربكم} ، فالرب مفعولٌ به، ما الذي فعل؟ العبادة فصار معبودًا.