هذا الدليل فيه أن الخوف من غير الله منهي عنه، وأن الخوف من الله -جل وعلا- مأمورٌ به قال -جل وعلا-: {فلا تخافوهم} ، نهي عن الخوف من غير الله، ثم قال: {وخافوني} ،وهذا أمرٌ بالخوف إذًا تعريف العبادة، لأنه إذ أمر بالخوف منه، فمعنى ذلك أن الخوف منه محبوبٌ له مرضي عنده، فيصدق عليه تعريف شيخ الإسلام للعبادة أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه. وهذا ما دام أنه أمر به فمعناه أن الله-جل وعلا- يحبه، لأنه إنما يأمر شرعًا بما يحبه ويرضاه. وفي هذه الآية دليلٌ من النوع الثاني وهو أن الخوف يجب أن يفرد به الله-جل وعلا-، قال ها هنا: {وخافوني إن كنتم مؤمنين} ، فجعل الإيمان، فجعل حصول الإيمان مشروطًا بالخوف منه-جل وعلا-، قال: {خافوني إن كنتم مؤمنين} ، إن كنتم مؤمنين فخافوني ولا تخافوهم، وهذا فيه دليل علي إفراد الله-جل وعلا- بهذا النوع من الخوف. والخوف الذي يجب إفراد الله-جل وعلا- به ومن لم يفرد الله-جل وعلا- به فهو مشرك كافر هو نوع من أنواع الخوف، وليس كل أنواع الخوف، هو خوف السر وهو أن يخاف غير الله-جل وعلا- فيما لا يقدر عليه إلا الله-جل وعلا-، وهو المسمي عند العلماء خوف السر وهو أن يخاف أن يصيبه هذا المخوف منه، أن يصيبه ذلك الشيء بشيء في نفسه- يعني في نفس ذلك الخائف-كما يصيبه الله-جل وعلا- بأنواع المصائب من غير أسباب ظاهرة ولا شيء يمكن الإحتراز منه.