النوع الثاني هو رجاء العبادة، وهو أن يطمع في شيءٍ لا يملكه إلا الله -جل وعلا-، أن يطمع في شفائه من مرضه، يرجو أن يشفى، يرجو أن يدخل الجنة وينجو من النار، يرجو ألا لا يصاب بمصيبة، ونحو ذلك. هذه أنواع من الرجاء لا يمكن أن ترجى وتطلب وتؤمل ألا من الله -جل وعلا-، وهذا هو معنى رجاء العبادة، فالرجاء منه ما هو رجاء عبادة ومنه ما هو رجاءٌ ليس من العبادة، والمقصود ها هنا هو رجاء العبادة. قال -جل وعلا-: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا} ، هذا النوع من الرجاء امتدح الله -جل وعلا- من قام به، قال: {من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا} ، فدل على أن هذا الرجاء ممدوح من رجاه، وإذا كان ممدوحًا قد مدحه الله -جل وعلا- فهو مرضيٌ عند الله -جل وعلا-، فيصدق عليه حد العبادة من أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، وهذا بنص هذه الآية داخلٌ فيما يرضاه الله -جل وعلا- لأنه أثنى على من قام به ذلك الرجاء. وقوله هنا: {فمن كان يرجو لقاء ربه} ، لقاء فسر بالملاقاة وفسر بالمعاينة بالرؤية، رؤية الله -جل وعلا-، {فمن كان يرجو لقاء ربه} ، ملاقاة الله -جل وعلا- والرجوع إليه، أو فمن كان يرجو رؤية ربه، لأن اللقاء يحتمل هذا وذاك وهما تفسيران مشهوران عن السلف. قال بعدها: ودليل التوكل قوله -تعالى-: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} . التوكل أيضًا من العبادات القلبية، حقيقته أنه يجمع شيئين، الأول تفويض الأمر إلى الله -جل وعلا-. الثاني عدم رؤية السبب بعد عمله. والتفويض وعدم رؤية السبب شيئان قلبيان، فالعبد المؤمن إذا فعل السبب وهو أن هذا السبب لا يحصّل المقصود ولا يحصل المراد به وحده، وإنما قد يحصل المراد به وقد لا يحصل، لأن حصول المرادات يكون بأشياء منها السبب، ومنها صلاحية المحل، ومنها خلو الأمر من المضاد.