الصفحة 282 من 329

ومدح سبحانه أهل هذا السماع، بما حصل لهم من زيادة الإيمان، واقشعرار الجلد، ودمع العين، فقال الله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23]

وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} [الأنفال: 2 ـ 4] .

وأما السماع المحدث، سماع الكف والدف والقصب، فلم تكن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر الأكابر من أئمة الدين، يجعلون هذا طريقا إلى الله تبارك وتعالى، ولا يعدونه من القرب والطاعات، بل يعدونه من البدع المذمومة، حتى قال الشافعي: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة، يسمونه التغبير [المغبر، قوم يغبرون بذكر الله أي يهللون ويرددون الصوت بالقراءة وغيرها، سموا بذلك لأنهم يرغبون الناس في الغابرة، أي الباقية (قاموس ت غبر) ، وقد أشار الشافعي، رحمه الله تعالى إلى أن هذا ضرب من البدع المنكرة] ، يصدون به الناس عن القرآن.

وأولياء الله العارفون يعرفون ذلك، ويعلمون أن للشيطان فيه نصيبا وافرا، ولهذا تاب منه خيار من حضره منهم.

ومن كان أبعد عن المعرفة، وعن كمال ولاية الله، كان نصيب الشيطان فيه أكثر، وهو بمنزلة الخمر (بل هو) يؤثر في النفوس أعظم من تأثير الخمر، ولهذا إذا قويت سكره أهله، نزلت عليهم الشياطين، وتكلمت على ألسنة بعضهم، وحملت بعضهم في الهواء، وقد تحصل عداوة بينهم، كما تحصل بين شراب الخمر، فتكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت