وقال في غير واحد من السلف: كان الرجل من الإنس إذا نزل بالوادي، قال: أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فلما استغاثت الإنس والجن، ازدادت الجن طغيانا وكفرا، كما قال تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا} ... [الجن: 6 ـ 7] ، وكانت الشياطين ترمي بالشهب قبل أن ينزل القرآن، لكن كانوا أحيانا يسترقون السمع قبل أن يصل الشهاب أحدهم، فلما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - ملئت السماء حرسا شديدا وشهبا، وصارت الشهب مرصدة لهم قبل أن يسمعوا، كما قالوا: {وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا} [الجن: 9] ، وقال تعالى في الآية الأخرى: {وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون} [الشعراء: 210 ـ 212] ، قالوا: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أو أراد بهم ربهم رشدا وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا} [الجن: 10 ـ 11] ، أي على مذاهب شتى، كما قال العلماء: منهم المسلم والمشرك، واليهودي والنصراني، والسني والبدع، {إنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا} [الجن: 12] ، أخبروا أنهم لا يعجزونه، لا إن أقاموا في الأرض ولا إن هربوا منه، {وإنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا وأنا منا المسلمون ومن القاسطون} [الجن: 13 ـ 14] ، أي الظالمون.