فمن هَذَا يظهر أن حال يحيى يصلح للمتابعة والاعتضاد، لاسيما وَقَدْ نص العلماء عَلَى عدم اشتراط أعلى مراتب الثقة في المُتابِع [1] . أما قَوْل ابن معين: (( لا أعرفه ) )، فأراد بِهِ غَيْر المتبادر إلى الذهن وَهُوَ جهالة العين، فَقَدْ عنى جهالة الحال [2] ولذا قَالَ العراقي - كَمَا نقلناه آنفًا -: (( قَدْ عرفه غيره ) ).
وبهذا تظهر صحة متابعة يحيى بن المتوكل لهمام، وعدم صحة دعوى تفرد همام بالمتن والإسناد، فيتجه الحمل - والحالة هَذِهِ - إلى من فوقه وَهُوَ ابن جريج، وَهُوَ مدلس [3] .
والذي يبدو أن الخطأ في هَذَا الْحَدِيْث من ابن جريج، ولاسيما أن ابن المتوكل وهمامًا بصريان [4] ، وَقَدْ نص العلماء عَلَى أن رِوَايَة البصريين عن ابن جريج فِيْهَا خلل من جهة ابن جريج لا من جهة أهل البصرة [5] .
وبيانه: أن ابن جريج دلّس للبصريين الواسطة بينه وبين الزهري، وَهُوَ زياد بن سعد، وصرّح بِهِ لغيرهم. كَمَا أنه - وعند تحديثه لأهل البصرة - لَمْ يَكُنْ متقنًا لحفظ الْمَتْن فأخطأ فِيْهِ، لذا قَالَ النسائي عقب تخريجه: (( هَذَا حَدِيْث غَيْر محفوظ ) ) [6] .
فانحصر الخطأ في تدليس ابن جريج، ولهذا نجد الحافظ ابن حجر يقول: (( ولا علة لَهُ عندي إلا تدليس ابن جريج، فإن وجد عَنْهُ التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في نقدي ) ) [7] .
(1) شرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: 129.
(2) النكت عَلَى كتاب ابن الصَّلاَحِ 2/678.
(3) انظر: جامع التحصيل: 108 (33) ، وطبقات المدلسين: 41 (83) ، وإتحاف ذوي الرسوخ: 37 (85) .
(4) انظر: ثقات ابن حبان 7/612، وتقريب التهذيب (7319) .
(5) انظر: النكت عَلَى كتاب ابن الصَّلاَحِ 2/677.
(6) السنن الكبرى 5/456 عقب (9542) .
(7) النكت عَلَى كتاب ابن الصَّلاَحِ 2/678.