فهرس الكتاب
وبعد عصر الجاهلين الذين كانوا يكسونها يوم عاشوراء تغير الأمر بعض الشيء ، فقد تقدم في هذا البحث في الباب الأوَّل في الفصل الخامس والسادس ما ملخصه: أنّ سيدنا عثمان رضي الله عنه اتخذ للكعبة كسوتين ، الأولى بالديباج يوم التروية ( الثامن من ذي الحجة) والأخرى بالقباطي يوم السابع والعشرين من رمضان ، ثم جاء معاوية رضي الله عنه ، واتخذ للكعبة كسوتين أيضًا اقتداء بسيدنا عثمان رضي الله عنه ، إلا أنه غير تاريخ إلباسها ، فجعل الكسوة الأولى من الديباج ، وكانت تلبس يوم عاشوراء ، والثانية من القباطي ،وتكسى بها في آخر شهر رمضان المبارك . وروى الأزرقي عن جده أنه قال: كانت الكعبة تكسى في كل سنة كسوتين ، كسوة ديباج ، وكسوة قباطي ، فأما الديباج فتكساه يوم التروية فيعلق عليها القميص ويُدَلَّى ولا يخاط ، فإذا صدر الناس من منى خيط القميص وترك الإزار ، حتى يذهب الحاج لئلا يخرقوه ، فإذا كان عاشوراء عُلق عليها الإزار ، فوصل بالقميص ، فلا تزال هذه الكسوة الديباج عليها حتى يوم 27 من شهر رمضان ، فتكسى القباطي للفطر ، فلما كانت خلافة المأمون (1) رُفع إليه أن الديباج يبلى ويتخرق قبل أن يبلغ الفطر ، ويرقع حتى يَسْمُج ، فسأل مبارك (أو ابن مبارك) الطبري مولاه وهو يومئذ على بريد مكة وصوافيها ، في أي كسوة الكعبة أحسن ؟ فقال له: في البياض ، فأمر بكسوة من ديباج أبيض ، فعلقت سنة ست ومائتين (206) وأرسل بها إلى الكعبة ، فصارت الكعبة تكسى ثلاث كسى ، الديباج الأحمر يوم التروية ، وتكسى القباطي يوم هلال رجب ، وجعلت كسوة الديباج الأبيض التي أحدثها المأمون يوم سبع وعشرين شهر رمضان للفطر ، فهي تكسى إلى اليوم (2) ثلاث كسى ، ثم رفع إلى المأمون أيضًا أن
(1) ... كانت خلافته من سنة 198 - 218 هـ راجع تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 10/183 والإعلام للزركلي 4/287 .
(2) ... أي اليوم الذي كان يؤلف أبو الوليد كتابه"أخبار مكة".