والعلة واضحة في هذا اللفظ ، وهي الاستظلال على السمر بمكة ، وليست التبرك بها ، ولفظ شيبة بن عثمان الذي ذكره الأزرقي أقرب إلى ما استدل به الأستاذ إبراهيم حلمي ، وهو في رواية ابن أبي مليكة الطويلة التي ذكرها الأزرقي ، وفيها: ... فرأيت شيبة جردها ، حتى لم يبق عليها شيئًا مما كان عليها ، وخلق جدرانها كلها وطيبها ، ثم كساها تلك الكسوة التي بعث بها معاوية إليها ، وقسم الثياب التي كانت عليها بين أهل مكة ، وكان ابن عباس رضي الله عنه حاضرًا بالمسجد الحرام وهم يجردونها، قال: فما رأيته أنكر ذلك ، ولا كرهه (1) .
ففي هذه الرواية لم تذكر العلة التي ذكرت في الرواية السابقة ، إلا أن الروايات الأخرى تدل على أن أهل مكة كانوا يلبسون تلك الثياب ، لا يحتفظون للتبرك ، فقد أخرج الأزرقي عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، قال: جرد شيبة بن عثمان الكعبة قبل الحريق ، وفي هذه الرواية: فكان شيبة يكسو تلك الثياب ، فرأى على امرأة حائض ثوبًا من كسوة الكعبة ، فرفعه شيبة، فأمسك ما بقي من الكسوة حتى هلكت يعني الثياب (2) .
وعمل شيبة بن عثمان هذا كان من رأيه ، ثم بعد ذلك سأل عائشة رضي الله عنها فقال: يا أم المؤمنين ، يجتمع عليها الثياب فيكثر ، فنعمد إلى بيار فنحفرها ونعمقها ، فيدفن فيها ثياب الكعبة لكي لا تلبسها الحائض، قالت عائشة: ما أصبت، وبئسما صنعت ، لا تعد لذلك، فإنّ ثياب الكعبة إذا نزعت عنها لا يضرها من لبسها من حائض أو جنب ، ولكن بعها (3) .
فلم يبق دليل على التبرك بالكسوة الشريفة بعمل شيبة بن عثمان أيضًا . فالذين كانوا يتولون قسمة الكسوة الشريفة إذ ذاك يقصدون بها سد حاجة الفقراء المحتاجين إلى الاكتساء بها ونحوه ، لا يقصدون أن يتبركوا بها . والله أعلم .
(1) ... أخبار مكة للأزرقي 1/270 - 271 .
(2) ... نفس المصدر 1/272 .
(3) ... نفس المصدر 1/272 .