الصفحة 83 من 90

وقال للمولى حاجي باشا: إنّك ستضيع عمرك في الطب.

وقال للمولى الفناري: إنك ستجمع بين رئاستي الدين والدنيا، والعلم والتقوى.

وكان كما قال؛ لأن المولى أحمدي صحب الأمير ابن كرميان، واشتغل لأجله بالنظم، والمولى حاجي باشا عرض له مرض فاضطره إلى الإشتغال بالطب (1) .

من العبر والدروس المستفادة من هذا الموقف:

أن حرصه على العلم كان ظاهرًا من وقت الطلب، وشدة ورعه وتقواه ومخافته لله تعالى بادية على شخصه من وقتها، كيف لا؟ وقد تربَّى على يدي ذلك الوالد الذي قرأ (( مفاتيح الغيب ) )على القونوي تلميذ ابن العربي، وهذا الحرص وهذه التقوى هي التي جعل من ينظر إليه يلمس في وجمعه الجمع بين هاتين المرتبتين العاليتين، اللذان لا يحصل إحداهما لأحد إلا بشق الأنفس، وكيف وقد جمع الرئاسة فيهما، فيا لها من درجة عالية لا يصلها إلا أفراد الرجال.

أن كرامات الأولياء الصادقين مع الله تعالى حقّ، وهذه واحدة من هذا الكرامات لأحد هؤلاء الأولياء الصالحين صدقت ووقعت كما أخبر.

السادس: مرضه:

روي أنه كان سبب عماه أنه لَمَّا سمع أن الأرض لا تأكل لحوم العلماء العاملين، نبشَ قبرَ أستاذه المولى علاء الدين الأسود ليتحقق عنده الرواية المذكورة فوجدَه كما وضع مع أنه مرَّ عليه زمانٌ مديد، فعند ذلك سمع صوتًا من هاتف والتفت إليه، فإذا هو يقول هل صدَّقت، أعمى الله بصرك (2) .

من العبر والدروس المستفادة من هذا الموقف:

أنه لم يكن يسلم بكل ما يسمع، بل كان شديد التحري والتدقيق والتنقيب عن الصحيح حتى في أصعب المسائل وأدقها، فأي شيء أصعب من أن يحفر قبر شيخه ليتحرى ويتأكد من هذه المقولة.

كرامة ومنزلة العلماء العاملين عند الله عز وجل حتى أنه حرم على الأرض أن تأكل أجسامهم.

السابع: تقديره لأهل التصوف، واحترامهم له وتقديمه على من سواه:

(1) ينظر: الشقائق (ص21) .

(2) ينظر: الشقائق (ص20-21) . البدر الطالع (2: 268) . الفوائد (ص274) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت