فهرس الكتاب
وقد صحّ عند أرباب السِّيَر أنّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم اتَّجر لخديجة، لكن قبل البعثة بخمسة عشر سنة، فإنه بُعِثَ على رأس الأربعين، وخرج تاجرًا إلى الشام لخديجة لَمّا بلغ خمسًا وعشرين سنةً، قبل أنْ يتزوّجها بشهرين وخمسةٍ وعشرين يومًا. وكان أبو بكر تاجرًا في البَزِّ، وعمرُ في الطَّعام، وعثمانُ في الَبزِّ والتَّمْر، وعبّاس في العطر. ومن هنا قال أصحابنا: أفضل الكسب بعد الجهاد التِّجارة، ثُمَّ الزِّراعة، ثُمَّ الصّناعة. وعندي أنّ أفضلها الكتابة.
(وَيَنْعَقِدُ) البيع (بإيجَابٍ) أَي: إثباتٍ؛ والمراد به ما يُذْكَر أولًا من كلام المتعاقدين، لأنه يُثِبتُ خِيار القبول للآخر. (وَقَبُولٍ) وهو ما يُذْكَر آخِرًا من كلامهما، أو ما يقوم مَقَامه من قبض المبيع، كما لو قال: بعتك هذا بدرهمٍ، فقبضه المشتري ولم يقل شيئًا.
والمعنى أنه ينعقد بمجموع الإيجاب والقَبُول، ولا بدَّ أن يكون أحدهما يدلّ على الإيجاب كـ:أعطيتك، و: جعلت لك هذا بكذا، والآخر على القَبول كـ:أخذت، و:رضيت، و: أجزت.
ويُشْتَرطُ سماع المتعاقدين كلامَهما (وبِلَفْظَي ماضٍ)
كـ: بعتُ، و:اشتريتُ. وإنما شُرِطَ الماضي فيهما لأنّ البيع إنشاء تصرفٍ، والإنشاء يُعْرَفُ بالشَّرع، لأنّ الواضع لم يضع له لفظًا خاصًّا؛ والشَّرعُ يَستعمل فيهِ اللّفظَ الذي وُضِعَ للإخبار عن الماضي، لأنه يستدعي سَبْقَ المُخْبَر عنه ليكون الكلام صحيحًا، فكان الماضي أدلَّ من غيره على تحقّق الوجود، فكان أشبهَ بالإنشاء المحصِّل للوجود.
(وَبِتَعَاطٍ) أي: وينعقد أيضًا بمعاطاةٍ وهي ههنا إعطاء البائع المبيعَ للمشتري على وجه البيع والتَّمليك، وإعطاء المشتري الثمنَ للبائع كذلك، بلا إيجابٍ وقَبُولٍ.