الصفحة 1371 من 2344

قال: وإنّما ترك أصحابنا العمل بحديث أبي هريرة هنا لمخالفته الكتاب، وهو قوله تعالى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ، والسُّنَّة المشهورة الموجبة لإيجاب القيمة عند تعذّر المِثْل صورةً، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق شِقْصًا له في عبد، قُوِّم عليه نصيب شريكه إنْ كان مُوسِرًا» الحديث، ولمخالفته الإجماع المنعقد على وجوب المِثْل والقيمة عند فوات العين وتعذّر الرَّدّ. قال: ولا بِدْعَ في ردّ حديثه عند مخالفة الأصول، فإنّه قريبٌ من المتواتر أنّه لَمَّا روى الوضوء مما مستّهُ النَّار، قال له ابن عبّاس رضي الله عنهما: إنّا نتوضأ بالماء السخين، أنتوضأ منه؟ ولما روى: من أصبح جُنُبًا فلا صوم له. قالت عائشة: نحن أعلم بذلك منه. وكذلك ردّ عليه عليّ رضي الله عنه.

وشرط عيسى بن أَبان فِقْه الراوي لتقديم الخبر على القياس، واختاره أبو زيد الدَّبُوسِيّ، وخرَّج عليه حديث المُصَرَّاة، وتابعه أكثر المتأخرين.

ونفاه الكَرْخِيّ ومَن تابعه من أصحابنا وقبلوا خبر كلّ عدلٍ ضابطٍ وقدّموه على القياس، ومنعوا أيضًا أنّ أبا هُرَيْرَة لم يكن فقيهًا، وقالوا: بل كان فقيهًا وكان يُفْتِي في زمن الصَّحابة، وما كان يُفْتِي في زمانهم إلاّ فقيهٌ مجتهدٌ، مع أَنّه كان من المُتَبحِّرين من عِلْيَةِ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال إسحاق الحَنْظَلِيّ ثبت عندنا في الأحكام ثلاثة آلاف من الأحاديث: روى أبو هريرة منها ألفًا وخمس مئة. وقال البُخَارِيّ: روى عنه سبع مئة نفرٍ من أولاد المهاجرين والأنصار. وقد روى جماعة من الصحابة عنه، فلا وجه لردّ حديثه بالقياس؛ وهذا غاية التحقيق والله وليّ التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت