فهرس الكتاب
وهذا حسنٌ في باب المُناظرة لدفع الخصم، كما قال أبو حنيفة حين دخل بغداد، وكانوا أشدّاء عليه لمخالفته الخبر، فسألوه فأجاب بما تقدّم فأورد عليه الحديث السابق، فقال: هذا الحديث دائرٌ على زيد ابن أبي عَيَّاشٍ، فهو مِمَّنْ لا يُقبل حديثه. وقد أُجِيبَ بأنّه على تقدير صحة السند فالمراد منه النسيئة، لِمَا في «سنن أبي داود» عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن عبد الله بن يزيد: أنّ أبا عَيّاش أخبره أنه سمع سعد بن أبي وَقّاص يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرُّطب بالتّمر نسيئةً. وكذا رواه الطّحاوي. وإذا صحّت الزِّيادة يجب قَبولها على المختار عند المحدثين، وإن كان الأكثر لم يروها لكن قد ردّ ترديده بين كونه تمرًا أو لا، بأنّ ههنا قسمًا ثالثًا، وهو كونه من الجنس، ولا يجوز بيعه بالآخر، كالحِنْطَةِ المَقْلِيّة بغير المَقْلِيّة لعدم تسوية الكيل بينهما، فكذا الرُّطب بالتَّمر لا يسوِّيهما الكيل، وإنما يسوّى في حال اعتدال البدلين وهو أن يَجِفَّ.
وأبو حنيفة يمنعه ويعتبر التّساوي حال العقد، وعروض النَّقص بعد ذلك لا يمنع. لكن فيه أنّ التعليل في مَعْرِض النّص غير مقبول. وأمّا ما ذكره الشارح بأنّ التفاوت بين الرُّطَب والتَّمر بأصل الخلقة فيكون ساقط الاعتبار، كالتفاوت بين الجيد والرديء، ففي غاية من السقوط.
(وَ) جاز (العِنَبُ بِالزَّبِيبِ) عند أبي حنيفة خلافًا لمَن تقدّم، والوجه ما بيّنَّاه في الرُّطب والتّمر من الجانبين. وقيل: لا يجوز اتفاقًا كالحِنْطَة المَقْلِيّة بغير المَقْلِيّة.