فهرس الكتاب
ولأن الحيوان يتفاوت آحاده تفاوتًا فاحشًا. فإنّك ترى عبدين أو أمَتَيْنِ متفقين في الأوصاف المشروطة، ومع ذلك، باختلاف الصَّباحة، والملاحة، والفصاحة، والكِيَاسة، وحسن السيرة، والصورة، يساوي أحدهما ألفًا والآخر ألوفًا. قال (الشاعر) :
*أَلاَّ رُبَّ فَرْدٍ يَعْدِلُ الألْفَ زَائِدًا ** وأَلْفٍ تَرَاهُمْ لا يُسَاوُونَ وَاحِدًا
فلا يجوز السَّلم فيه كالجواهر، بخلاف الثياب، فإنها بصنع العبد، وهي إنّما تُصْنَع بآلةٍ، فإذا اتّحدت الآلة والصانع لم يبق إلاّ التفاوت اليسير، وهو لا يضر. وحديث عبد الله بن عمرو السّابق، قال ابن القطّان في كتابه: إنّه ضعيفٌ مضطربُ الإسناد. وبيَّنه، فلا يُحتجّ به.
ولا يصحّ السَّلم في اللّحم عند أبي حنيفة، ولو منزوعَ العظم، على الأصحّ في الروايتين عنه. ويصحّ عندهما كمالك والشَّافعيّ مطلقًا، إِنْ بيّن جنسه ونوعه، وسِنَّه، وصفته، وموضعه، وقدره، كشاةٍ خَصِي ثَنِيّ سمينٍ من الجنب، كذا رطلٍ بكذا، يصحّ. كما يصحّ في الأَلْية، والشَّحم، والسَّمك وزنًا، وبه يُفْتَى.
(وَأطْرَافِهِ) أي ولا يصحّ السَّلم في أطراف الحيوان، كالرؤوس، والأكارِع، وهي جمع كُرَاع: وهو ما دون الرُّكبة في الدَّواب، وبه قال الشَّافعيّ في الأظهر، لأنّها عددية متفاوتة. قيل: هذا قول أبي حنيفة، وأمّا عندهما فيجوز كما في اللَّحم، وقيل: لا يجوز باتفاقٍ.
(وَجُلُودِهِ) أي ولا يصحّ السَّلم في الجلود عددًا غيرَ مُبَيَّن الطُّول والعرض والصِّفة. إذ التفاوت بين رأس ورأسٍ، وكُراعٍ وكُرَاعٍ معتبرٌ فيما بين النّاس، ويُمَاكِسُون لأجله. ولو أسلم في الرؤوس والأكارِع وزنًا اختلفوا فيه. وقال مالك والشافعيّ وأحمد رحمهم الله في روايةٍ: يجوز السَّلم في الجلود، والرؤوس والأكارِع عددًا ووزنًا، لأنّها معلومة القدر والصّفة بالذّكر، ولأنّ الجلود في معنى الثياب لأنّها يُتخذ منها الفرو والخِفَاف.