الصفحة 1533 من 2344

الحديثان اللَّذان رَوَوْهُمَا أَولًا إِنما يقتضيان وجوب رَدِّ العَيْن ولا كلام فيه، وإِنما الكلام في وجوب ضمانِ القيمة بعد هلاكِها، وما رَوَوْه من حديث صَفُوان مُعَارَضٌ بما روى أَحمد في «مسنده» ، والحاكم في «مستدرَكِه» ـ وسكت عليه ـ وابن حبَّان، عن ابن عباس: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صَفْوان بن أُمية دروعًا وسلاحًا في غزوة حُنَيْن، فقال: يا رسول الله أَعاريَّةٌ مؤداة؟ قال: «نعم عاريَّة مؤداة» .

ويُجابُ عنه بأَنّه عليه الصلاة والسلام أَخَذَ دروع صَفُوان بغير رضاه، ولذا قال: «أَغَصْبًَا يا محمد» ، لأَنه صلى الله عليه وسلم كان مُحْتَاجًا إِلى السلاح، فكان الأَخذ له حلالًا ولكن بِشَرْط الضَّمان، كأَخْذ طعام الغير في حال المَخْمَصة. وقيل: المراد ضمان الرد بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «إِذا أَتَتْك رُسُلي فأَعْطِهِم ثلاثين بعيرًا وثلاثين درعًا، قال: فقلت: يا رسول الله. أَعاريَّةٌ مضمونةٌ، أَو عاريَّةٌ مؤداة؟ قال: «بل مؤداة» . رواه أَبو داود، والنَّسائي، وابن حِبَّان في «صحيحه» . وقيل: كان هذا منه عليه الصلاة والسلام اشتراطًا للضمان على نفسه.

وعندنا المُسْتعير لا يضمن بالشرط ، ولكنَّ صَفوان كان يومئذٍ حربيًا، ويجوز بين المسلم والحَرْبي من الشرائط ما لا يجوز بين المسلمين. وقيل: المستعير وإِنْ كان لا يضمن لكن يضمن بالشَّرط، كالمودَع، على ما ذكره في «المُنْتَقَى» . وقيل: إِنما (قال) ذلك تَطْيِيبًا لِقَلْب صَفْوان على ما رُوي: أَنه هَلَكَ بعضُ تلك الدُّروع، فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنْ شِئت غَرِمناها لك، فقال: لا فإِنما (أنا) اليوم أَرغب في الإِسلام مما كنت يومئذٍ» . ولو كان الضَّمَان واجبًا لأَمَره بالاستيفاء أَو الإِبراء.

(فصل في حكم إِجارة وإِعارة العاريَّة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت