فهرس الكتاب
(وحُرِّيَةً) أَي من جهة الحرية، فلا تنعقد المفاوضة بين حُرَ وعبدٍ، ولا بين عَبْدَين، لأَن العبد لا يملك التصرف. ولو قال: «تَصَرُّفًَا» ـ كما في بعض النُّسَخ ـ بدل حرية، أَو زاد (حِلْمًَا) ـ أَي عَقْلًا، كما في «الوقاية» ـ لكان أَحسن، لأَن المفاوضة لا تنعقد بين صغيرٍ وبالغ، ولا بين صغيرين. وإِنما شَرَط الحرية والبلوغ، لأَن الصبيَّ والعبد لا يملكان التكفل لكونه تبرعًا ابتداءً، وهو شَرْطٌ في هذه الشرِكة.
(ودِيْنًَا) أَي من جهة الدِّين، وهو المِلَّة. فلا تنعقد المفاوضة بين مسلم وكافرٍ، وهذا عند أَبي حنيفة ومحمد، خلافًا لأَبي يوسف. وتنعقد بين الكتابي والمجوسي، لأَن الكُفْر كله مِلَّة واحدة عندنا. وقال مالك، والشافعي، وأَحمد: لا تجوز شركة المفاوضة، وهو القياس، لأَنها تضمنت الوَكَالَة بمجهول الجنس، والكفالةَ بمجهولٍ، وكلٌّ بانفراده فاسد.
ووجه الاستحسان أَن الناس تعاملوا بها من غير نكير، والقياسُ يُترك بالتعامل كالاستصناع، ودخول الحمام، لأَن التعامل بلا نكير كالإِجماع.
(وتَتَضَمَّنُ) المفاوضةُ (الوَكَالَةَ والكَفَالَةَ) لِتُحَقَّقَ الشركة في كل ما شراه أَحدهما، وتثبت المساواة بينهما في المطالبة بثمنه. (ومُشْتَرَى كُلَ) من شريكَي المفاوضة (لَهُمَا) لأَن كل واحد منهما قائمٌ مقام صاحبه في التصرف، فكان شراؤه كشرائه (إِلاَّ طَعَامَ أَهْلِهِ) أَي أَهْل كُلَ، (وكِسْوَتَهُمْ) أَي كسوة أَهْل كُلَ، فإِنها تكون له خاصة، وكذا استئجار كلَ ما يسكنه أَو ما يركبه لحج أَو غيره، وشراؤه إِدامًا ليأَكله، أَو أَمَةً ليطأَها، لأَن كل واحدٍ منهما عَالِمٌ حين العقد بحاجة نفسه إِلى ذلك، ولا يقصد أنه شريكه، فكان مستثنى دلالة، والاستثناء الثابت بالدلالة كالاستثناء الثابت بالمقالة. وحُكْمُ طعامِ كُلَ وكسْوَتِهِم حُكْمُ طعام أَهله وكسوتهم.