فهرس الكتاب
وهي مشروعةٌ بإِطلاق الآية لأَن سفر الإِنسان للتجارة قد يكون بمالِ نفسه وقد يكون بمال غيره. ولأَن من الناس من هو صاحب مال ولا يهتدي إِلى التصرف، ومنهم مَنْ هو بالعكس، فشُرعت المضاربة لانتظام مصالح الناس. وقد بُعِث النبيُّ صلى الله عليه وسلم والناس يتعاملون بها فأَقَرَّهم عليها. وبالسُنَّة، وهي ما روى ابن ماجه مرفوعًا: «ثلاثٌ فيهنَّ البَّرَكَةُ: البيعُ إِلى أَجَل، والمُقَارَضَةُ، وخَلْطُ البُرِّ بالشَّعِيْر، لِلْبَيْتِ لا للبَيْعِ» .
ولعمل الصحابة. وهو ما روى مالك في «الموطأ» : أَنَّ عبد الله وعبيد الله ابنَي عمر بن الخطاب خرجا إِلى العراق، فأَعطاهُما أَبو موسى الأَشعري من مال الله، على أَن يبتاعا به متاعًا ويبيعاه بالمدينة ويؤديا رأَس المال لأَمير المؤمنين والربح لهما، فلما قَدِما المدينةَ رَبِحَا، فقال عمر: أَكُلّ الجيشِ أَسْلَفَهُ كما أَسْلَفَكُمَا؟ فقالا: لا، فقال: ابنا أَمير المؤمنين فَأَسْلَفَكُمَا، أَدِّيا المال ورِبْحَه، فراجعه عبيد الله وقال: ما ينبغي هذا يا أَميرَ المؤمنين، لو هلك المال أَو نَقَص لضَمِنَّاه، فقال لعمر بعضُ جلسائه: لو جعلته قِراضًا، فأَخذ عمرُ المال ونَصَّفَ ربحه وأَعطاهما النصف.
وفي «المبسوط» و «المعرفة» للبيهقي: أَنَّ عمر أَعطى مال يتيم مضاربة، وكان يعمل به في العراق. وأَن عثمان أَعطى مالًا مقارَضةً. وأَن ابن مسعود أَعطى زيد بن خُلَيْدَة مالًا مقارضةً. وأَن العباس كان إِذا دفع مالًا مضاربةً اشترط على صاحبه أَن لا يسلك به بحرًا، ولا ينزلَ به واديًا، ولا يشتري به ذات كَبِدٍ رَطْبة، فإِن فعل فهو ضامنٌ، فَرُفِع الشرطُ إِلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأَجازه.
لكن ضعَّفَه البيهقي بسنده. وفيه وفي الدَّارقطني بسند صحيح: أَن حَكيم بنَ حِزَام صاحِبَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان إِذا دفع مالًا مضاربةً شرط مثل هذا.