فهرس الكتاب
ولنا إِطلاق قوله تعالى: {والصُّلْحُ خَيْرٌ} ، وإِطلاق أَول الحديث السابق. وأَما آخِرُه فمعناه أَحلَّ حرامًا لعينه، كالصلح على خمر، أَو حَرَّم حلالًا لعينه: كصلح المرأَة زوجها على أَن لا يَطأَ ضَرَّتها. وهذا أَولى في معناه، لأن الصلح مع الإقرار في العادة يقعُ على بعض الحق ، فما زاد على المأْخوذ إِلى تمام الحق كان حلالًا للمُدَّعي أَخذه قبل الصلح وقد حَرُم بالصلح وكان حرامًا على المُدَّعى عليه قبل الصلح وقد حل بالصلح. ولأن الصلحَ عن إِنكار أَو سكوت صلحٌ بعد دعوى صحيحة فيُقْضَى بجوازه، لأن المُدَّعي يأْخذه عوضًا عن حقه في زعمه وهو مشروع، والمُدَّعى عليه يدفعه لدفع الخصومة عن نفسه وهو أَيضًا مشروع. لأن المال خُلق لصيانة الأنفس عن المهالك والمفاسد، ودفعُ الضرر أَمرٌ جائز.
نقل أَبو الليث عن أَبي يوسف جواز المصالحة، وفي نُسخة: المصانعة، وهي الرِّشوة للأوصياء في أَموال اليتامى، وبه يُفتى، وإِليه الإشارة بقوله تعالى: {أَمَّا السَّفِيْنَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِيْنَ يَعْمَلُوْنَ في البَحْرِ فأَردْتُ أَنْ أَعِيْبَهَا} حيث أَجاز التَّعْييبَ مخافةَ أَخذ المتغلِّب، كذا في «أَحكام الصِّغار» ، وفي «المحيط» : لو رشى لدفع خوفه على نفسه، أَو ماله، أَو خوفًا على نسائه، أَو أَعطى مالًا لشاعر لا بأْس به، يعني صيانة لِعِرْضِه (فالأَوَّل) وهو الصلح مع الإقرار (كَبَيعٍ إِن وقع عن مال بمال) لوجود معنى البيع فيه، وهو مبادلة المال بالمال بالتراضي (ففيه) إِن كان عَقَارًَا (الشُّفْعة، و) فيه (الخِيارات) الثلاثة، وهي: خِيار العيب، وخيار الشرط، وخيار الرؤية، لأن هذه الأشياء من أَحكام البيع.