الصفحة 2039 من 2344

وقد سُئِلَ أَبو حنيفة عن أَخوين تزوجا أَختين فَزُفَّتْ كل واحدة إِلى زوج أَختها فقال: ليطلق كلُّ واحدٍ زوجته، ثم يتزوّج مَن وطِئها. وقال سفيان الثَّوري: على كل واحدٍ منهما المهر، وعلى كل واحدة العدة، فإِذا مضت عدتها دخل بها زوجها. فقال أَبو حنيفة: ما قلتُ أَحسن. أَرأَيت لو صبر كلّ واحدٍ منهما حتّى مضت العدة، أَما كان يبقى في قلب كل منهما شيء لدخول أَخيه بامرأَته؟ فإِذا طلّق كلٌّ زوجته قبل الدُّخول والخلوة، لا تجب العدة، فإِذا طلّق بعد ذلك فعدتها ممّن دخل بها، لا تمنعه من نكاحها، ولم يبق في قلب كلّ منهما شيء.

(وَلا يُحَدُّ الخَلِيْفَةُ) وهو الإمام الذي ليس فوقه إِمام لا في زنا، ولا في شرب خمرٍ، ولا في قذفٍ، لأن الحدود حقّ الله تعالى، وهو نائبه والمقيمُ لها، فلا يمكنه أَن يقيمها على نفسه، لأنها لا تقع مؤلمة، فلا تكون زاجرة، والمقصود من الحدود الزجر. وكذا لو أَمر غيره بإِقامتها عليه لا تقع مؤلمة، لأنه يهابه. والظاهر أَنه يُرْجَم، والله أَعلم. (ويُقْتَصُّ) منه (وَيُؤْخَذُ بِالْمَالِ) لأن القِصَاص والأموال من حقوق العباد فيستوفيهما صاحبهما بنفسه أَو بالاستعانة بالمسلمين، ولا يُشْتَرَط فيهما القضاء بخلاف حدّ القذف، فإِن المغلَّب فيه حقّ الشرع عندنا، وحقّ العبد عند الشافعيّ، فحكمه حكم ما هو حقّ الشرع خالصًا.

ثم اعلم أَنه لا يحدّ بزنا في دار الحرب أَو البغي عندنا، وحكم مالك والشافعي بحدّه لإطلاق الآيات الواردة في حدّ الزاني وقطع السارق وجلد القاذف، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «أَقيموا حدود الله في السفر والحضر، على القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائمٍ» . رواه أَبو داود في «المراسيل» . وقال: رويناه بإِسنادٍ موصولٍ في «السنن» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت