فهرس الكتاب
ولا خلاف في أَن في حدّ القذف حقّين: حقّ الشرع، وحقّ العبد. أَما حقّ العبد فلأنه شُرِعَ لصيانة عرض العبد ولدفع العار عن المقذوف، وهو الذي ينتفع به على الخصوص، ولذا يشترط فيه الدَّعوى، ولا يَبْطُل بالتقادم، ويُقَيِّمُه القاضي بِعِلْمه، ويقدّم استيفاؤه على سائر الحدود، ولا يَبْطُل بالرَّجم، ولا يصحّ الرجوع عنه بعد الإقرار. وأَما حقّ الشرع فلأَنَهُ شُرِعَ زجرًا للمفسدين، ولذا لا يباح القذف بالإباحة، ويستوفي حدَّه الإمامُ دون المقذوف، ويجري فيه التداخل حتّى لو قَذَف واحدٌ (أَحدًا) مراتٍ أَو جماعةً مرّة كان عليه حدٌّ واحدٌ.
فَغَلَّب مالك والشافعيّ وأَحمد حقّ العبد لحاجته وغِنَى الشرع، إِذ هو الأصل فيما اجتمع فيه الحقَّان. وغَلَّبنا حقّ الشرع نظرًا للمقصود منه وهو إِخلاء العالَم عن الفساد الذي هو حقّ الله. وما للعبد من الحقّ يتولاه مولاه ولا كذلك العكس، لأنه لا ولاية (للعبد) في استيفاء حق الشرع إِلا بالنيابة، وإِنما يقدّم حقّ العبد فيما لم يمكن الجمع بين الحَقَّين، وهنا أَمكن فلا حاجة إِليه. وقال صدر الإسلام أَبو اليَسَر في «مبسوطه» : الصحيح أَن المغلَّب فيه حقّ العبد كما قال الشافعي، لأن أَكثر الأحكام تدلّ عليه. وقد نصّ محمد في «الأصل» : على أَن حدّ القذف حقّ العبد كالقصاص، إِلاّ أَنه فوَّض (إِقامته) إِلى الإمام، لأن كلّ أَحدٍ لا يهتدي لإقامة الجلد.