فهرس الكتاب
وفي «النوادر» عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه يستحبّ أن يؤجّل ثلاثة أيام، طَلَبَ ذلك أو لم يطلب. وفي أصحّ قولي الشافعيّ: إن تاب في الحال وإلاّ قُتِلَ من غير الإمهال، وهو اختيار ابن المُنْذِر. وقال الثوري: يُستتابُ ما رُجِيَ عودُهُ. وقال الزُّهْرِي: يُدْعى ثلاثًا، فإن أبي قُتِلَ. وفي «المبسوط» : إن ارتدّ ثانيًا وثالثًا فكذلك يستتاب، وبه قال أكثر أهل العلم لإطلاق قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} وقال مالك وأحمد والليث: لا يستتاب مَنْ تكرّر منه ذلك، كالزنديق لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكِنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} .
ولنا في الزنديق روايتان: في روايةٍ: لا تقبل توبته كقول مالك، وفي روايةٍ تقبل كقول الشافعيّ، والخلاف في حقّ أحكام الدنيا، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فتقبل بلا خلافٍ لقوله تعالى في حقّ المنافقين: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا} إلى قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ} ، والآية التي استدلّوا بها إنما هي في حقّ من ازداد كفرًا، لا في حقّ من آمن وأظهر التوبة. وعن أبي يوسف: أنه إذا تكرّر منه الارتداد يقتل من غير عرض الإسلام، لأنه مستخفٌّ بالدّين.
(وَهِيَ) أي توبة المرتدّ (بِالتَّبَرِّي عَنْ كُلِّ دِينٍ سَوَى الإِسْلاَمِ، أَوْ عَمَّا انْتَقَلَ إِلَيْهِ) لحصول المقصود به، وهذا بعد إتيانه بكلمة الشهادة كما في «الإيضاح» . (وَقَتْلُهُ) مبتدأ أي قتل المرتدّ (قَبْلَ العَرْضِ) أي عرض الإسلام عليه (تَرْكُ نَدْبٍ بِلاَ ضَمَانٍ) لأن العرض مندوبٌ إِليه، ومَنْ يقول بأنه واجبٌ، فعنده أن قتله قبل العرض حرامٌ، لأنه تَرْك واجب. وأمّا انتفاء الضمان عند الكلّ، فلأن الكفر مبيحٌ لقتله، والعرض ندبٌ أو واجبٌ رجاء رجوعه.