فهرس الكتاب
وشبه العمد: قتل العصا والحجر، ورمي السهم، فيه الدِّيَة مغلّظة من أسنان الإبل، وما رَوَوْهُ محمولٌ على رضى القاتل، وإنما لم يذكر رضاه في الحديث، لأن ذلك معلوم. فإنَّ من أشرف على الهلاك إذا تمكّن من دفع الهلاك عن نفسه بأداء المال لا يمتنع من ذلك إلاّ من سَفِهَت نفسه. وهذا كما يقال للدَّائن: خذ بدينك إن شئت دراهم، وإن شئت دنانير، وإن شئت عُرُوضًا. ومعلوم أنه لا يأخذ غير حقّه إلاّ برضاء المديون، وهذا فاشٍ في الكلام. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تأخذ إلاّ سَلَمَك أو رأس مالك» . أي لا تأخذ إلاّ سلمك عند المُضِي في العقد، ولا تأخذ إلاّ رأس مالك عند الفسخ. ومعلومٌ أنه لا يأخذ رأسه ماله إلاّ برضى الآخر، لأنّ الفسخ لا يتمّ إلاّ باتفاقهم، أو على أن المراد عدم جبر الوَلي على أخذ الدِّيَة.
ويؤيّد ذلك ما روى البخاري عن أنس أنّ الرُّبَيِّع بنت النضر لطمت جارية فكسرت ثَنِيَّتها، فطلبوا العفو فأَبَوْا، فعرضوا عليهم الأَرْش فأَبُوْا إلاّ القصاص. فجاء أخوها أنس بن النضر وقال: يا رسول الله أَتُكْسَرُ ثنيَّة الرُّبَيِّع ؟ والذي بعثك بالحقّ لا تُكْسَر ثَنِيّتُها. فقال رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: «كتابُ الله القصاص» ، فرَضِيَ القوم وعَفَوا، فقال رسول الله صلّ الله تعالى عليه وسلّم: «إن من عباد الله مَنْ لو أقسم على الله لأبرّه» . ولو كان يجب الخيار للمَوْلى بين القصاص والأَرْش لخيّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يُعْلِمها بما تختار من ذلك، لأن الحاكم إذا تقدّم إليه أحدٌ في شيء، يجب له من شيئين، وثَبَتَ عنده، لا يحكم له بأخذ الشيئين، بل يحكم له بأن يختار أحدهما.