الصفحة 2295 من 2344

ولا يحجُر القاضي على المديون الذي خِيفَ منه إتلاف ماله بطريق الإقرار عند أبي حنيفة وإن طلب غرماؤه الحَجْر عليه، لأن فيه إهدار أقواله وإلحاقه بالبهائهم، فلا يجوز لدفع ضررٍ خاصٍ، بل يحبسه كما سيأتي. ويحْجر عند أبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد بالدين إذا طلب الغرماء من القاضي الحَجْر عليه، فيمنعه من البيع والتصرّف والإقرار نظرًا للغرماء كيلا يضرّ بهم، ولِمَا روى الدَّارَقُطْنِيّ عن كعب ابن مالك، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حَجَر على مُعَاذ ماله في دين كان عليه. وعن عبد الرحمن بن كعب قال: كان مُعَاذ شابًا سخيًّا، وكان لا يمسك شيئًا. فلم يزل يداين حتّى أغرق ماله في الدين، فأتى غرماؤه النبيّ صلى الله عليه وسلم فكلَّموه، فباع صلى الله عليه وسلم ماله حتّى قام مُعَاذ بغير شيءٍ.

ولِقَوْل عمر بن الخطَّاب: «أيها الناس إياكم والدَّيْن، فإن أوله همٌّ وآخره حزنٌ. وإن أُسَيْفع جُهَيْنة قد رضي من دِينه وأمانته أن يُقَال: سَبَقَ الحاجَّ فادَّانَ مُعْرِضًا فأصبح قد رِينَ به، إلاّ أني بائعٌ عليه ماله وقاسمٌ ثمنه بين غرمائه بالحصص، فمن كان له عليه دين فَلْيَغْدُ» . فلم يُنْكِر عليه أحد من الصحابة، فكان هذا اتفاقًا منهم على أنه يُبَاع على المديون ماله. وقوله فادَّانَ مُعْرِضًا: أي استدان مُعْرِضًا: وهو الذي يعترض الناس فيستدين ما وجد، ممّن وَجَد، مهما أمكنه، ولا يبالي ممّن تبعه. وقوله: رِيْنَ: أي غلب، يُقَال: رِين بالرجل رَينًا: إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه، ومنه قوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت