الصفحة 2296 من 2344

وأبو حنيفة استدلّ بقوله تعالى: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} ، وبيع المال على المديون بغير رضاه ليس بتجارةٍ عن تراضٍ. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يحلّ مال امرىءٍ مسلمِ إلا بطيب (نفسٍ منه» . و) نفسه لا تطيب ببيع القاضي ماله عليه، فلا ينبغي له أن يفعله لهذا الظاهر. والدليل عليه أنه يحبسه بالاتفاق. ولو جاز له بيع ماله لم يشتغل بحبسه، لِمَا فيه من الإضرار به وبالغرماء من تأخير وصول حقّهم إليهم. وتأَوَّل حديث مُعَاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم باع ماله بسؤاله، لأنه لم يكن في ماله وفاء (بِدَين) ، كقصة جابر في غرمائه. وهذا لأنه عندهم يأمره القاضي أولًا ببيع ماله، فإذا امتنع منه يبيعه. ولا يظن أنه كان يأبى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه ببيع ماله حتّى يحتاج أن يبيعه عليه بغير ضاه.

والمشهور في حديث أَسَيْفع أن عمر قال: إني قاسمٌ ماله بين غرمائه. فيُحْمَل على أنه كان من جنس الدين، وإن ثبت البيع فإنما كان ذلك برضاه. ألا ترى أن القاضي لا يبيعه عندهم إلاّ عند طلب الغرماء، ولم يُنْقَل أنهم طالبوه بذلك، وإنما المنقول أنه ابتدأهم بذلك وأمرهم أن يغدوا إليه، فدلّ أن ذلك كان برضاه.

ويُحْجَر عندهم أيضًا بالسَّفَه، لأن النظر للسفيه واجبٌ حقًّا لإسلامه.

ولو حجر عليه القاضي فرُفِعَ ذلك إلى قاضٍ آخر فرفع الحَجْر عنه جاز، لأن الحَجْر من الأول ليس بقضاءٍ بل فتوى، لأن القضاء لقطع الخصومة بين المتخاصمين بالقضاء لأحدهما على الآخر، ولم يوجد ذلك. وحَجَر محمد على السَّفِيه بمجرد حدوث سَفَهه، اعتبارًا بالصِّبا بلا توقّفٍ على حجر القاضي، ووافقه أبو يوسف عليه واعتبره بالمديون، فلو باع شيئًا قبل حجر القاضي نفذ عنده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت