فهو تنصيصٌ على (وجوب) دفع المال بعد البلوغ، إلاّ أنه يمنع عنه ماله قبل هذه المدّة بالإجماع، ولا إِجماع هنا فيجب دفع المال بالنّص. ولأن أول أحوالِ البلوغ قد لا يفارقه السَفَه باعتبار أثر الصبا، فقدّرناه بخمسٍ وعشرين سنةً، لأنه وقتٌ يُتَصَوَّرُ أن يصير فيه جَدًَّا: بأن يبلغ اثني عشر سنةً، ويولد له لستة أشهر، ويبلغ ولده لاثني عشر سنةً ويولد له لستة أشهر. والمراد من الآية الأولى أموالنا لا أموالهم، والآية الثانية مشتملة على التعليق بالشرط، وهو لا يوجب العدم عند عدم الشرط عندنا، على أن الشرط ـ رشد ـ نكرة. (فإذا) صار الشرط في حكم الوجود بوجهٍ يوجب جزاءه.
وأول أحوال البلوغ مبدأ مفارقة السَفَه باعتبار الصبا وبقاء أثره كبقاء عينه، وإذا امتدّ الزمان فظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثرُهُ وحدث ضَرْب من الرشد لا محالة، لأنه حالَ (كمالِ) لُبّه، فقد رُوِيَ عن عمر أنه قال: ينتهي لبّ الرجل إذا بلغ خمسًا وعشرين سنةً.
(وَحَبَسَ القَاضِي المَدْيُونَ) عند أبي حنيفة كغيره (لِدَيْنِهِ) أي ليقضي المديون ما عليه من الدين ببيع ماله أو بغيره، وإِنَّما يحبسه دفعًا لظّلمه بمطله. ولا يكون هذا الحبس إكراهًا على بيعه، لأن المقصود منه حمل المديون على قضاء دينه بأي طريقٍ شاء في حقّه. (وَقَضَى) أي وَفَّى القاضي بلا أمر المديون (دَرَاهِمَ دَيْنِهِ مِنْ دَرَاهِمِهِ) أي دراهم المديون (وَ) قضى (دَنَانِيرَهُ) أي دنانير دين المديون (مِنْ دَنَانِيرِهِ) أي دنانير المديون، لأن الدائن لمّا كان له أن يأخذ دينه إذا ظفِر بجنس حقّه من غير رضاء المديون، كان للقاضي أن يعينه على ذلك، وصار هذا الفعل منه إعانةً للدائن على أخذ حقّه.