الصفحة 2333 من 2344

(وَالوَصِيَّةُ بِجَعْلِ إحداهما يَصِحُّ) أي وصية الذميّ ببناء داره بِيعَةً أو كنيسةً صحيحةٌ، وهذا بالاتفاق إن أوصى بذلك لقومٍ مُسَمّين وأَمَّا إِن أَوصى به لقومٍ غير مسميّن فعند أبي حنيفة تصحُّ، وعندهما لا تصحّ.

ولو أوصى بالكُرَاع في سبيل الله ولم يعيّنه لأحدٍ، فالوصية باطلةٌ عند أبي حنيفة، لأن هذه الوصية في معنى الوقف، وهو غير جائزٍ في المنقول عنده وإن أُضِيفَ إلى ما بعد الموت. وجعلاه وقفًا في يد الإمام، لِمَا مرّ في كتاب الوقف من حبس خالدٍ كُرَاعه وأَعْتُده في سبيل الله.

ولو أوصى بثلث ماله في سبيل الله يخصّه أبو يوسف بمنقطع الغزاة، لسبقه إِلى الفهم عُرْفًا، وزاد محمد: منقطع الحاج لِمَا رُوِّينَا: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحجّ من سبيل الله. وأَجاز محمد الوصية للمسجد وإن لم يذكر الإنفاق عليه، لأن المراد منها الإنفاق على مصالحه. وشرطا لصحتها ذِكْر الإنفاق عليه، لأنه ليس بأهل للملك، والوصية تمليك، وذكر النفقة بمنزلة الوقف على مصالحه تصحيحًا للكلام.

ولو أوصى للعلماء استحقَّها الفقهاء وأهل التفسير والحديث، وقيل: وأهل الكلام، لا المُقْرِئون والأدباء والمعبّرون والأطباء، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلم ثلاثة: آية محكمةٌ، أو سنةٌ قائمةٌ، أو فريضةٌ عادلةٌ، وما سوى ذلك فهو فضل» . رواه أبو داود وابن ماجه. ولو أوصى للعقلاء استحقّها زهَّاد العلماء، لأنهم في الحقيقة العقلاء، لتركهم الفاني وميلهم إلى الباقي، والله تعالى أعلم.

فصلٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت