فهرس الكتاب
وأَسند أَيضًا: «قال عمر بن الخطاب حين جاءه عيينة بن حِصْن: {الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} ، يعني ليس اليوم مؤلفة» . وقيل: «جاء عيينة والأَقرع إِلى أَبي بكر الصدّيق يطلبان أَرضًا، فكتب لهما الخَطَّ، فمرَّا بعمر فَمَزَّقَهُ وقال: هذا شيءٌ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيكموه ليتأَلَّفكم به على الإِسلام، والآن قد أَعَزَّ اللّهُ الإِسلام وأَغنى عنكم، فإِن ثبتم على الإِسلام وإِلاَّ فبيننا وبينكم السيف، فرجعوا إِلى أَبي بكر فقالوا: الخليفةُ أَنْت أَم عُمَرُ؟ فقال: هو إِنْ شاء. ووافقه ولم يُنكر أَحَدٌ من الصحابة ذلك مع ما يتبادر منه من كونه سببًا لإِثارة النائرة، أَو ارتداد بعض المسلمين. فلولا اتفاق عقائدهم على حقيته، وأَنَّ مفسدة مخالفته أَكثر من المفسدة المتوقعة لبادروا إِلى إِنكاره.
ثم اختلف كلام القوم في وجه سقوطهم بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع ثبوته بالكتاب إِلى حينِ وفاته عليه الصلاة والسلام: فمنهم مَن ارتكب جواز نَسْخ الكتاب بالإِجماع، بناءً على أَنه حجَّةٌ قطعيةٌ كالكتاب، وليس بالصحيح من المذهب. ومنهم مَنْ قال: هو من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علّته، كانتهاء صوم رمضان بانتهائه. واعْتُرِض بأَن الحكم في البقاء لا يحتاج إِلى علة، كما في الرِّقِّ، والرَّمَل والاضطِبَاع في الطواف. والجواب: أَن الشارع حَكَمَ ببقائه ثَمَّةَ بعد زوال السبب لِحَقِّ العبد في الرِّقِّ، و الذُّل بقاء في ضِمْنِهِ، ولحكمة لائحة في الأَخيرين ولا ذل فيهما، ولا يُحْكمُ ههنا ببقائه بعد زوال السبب، فلو أُعطوا منها بعده لزِم ذل الإِسلام وإِنَّه لا يجوز، فكان من قبيل انتهاء الشيء بانتهاء علَّته، فلا جَرَم أَجْمَعَ الصحابة على قطعه، إِذ لا نَسْخَ بعده عليه الصلاة والسلام.