فهرس الكتاب
وفي «المبسوط» : وأَهل الحديث جمعوا رواة نُسُك رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فكانوا ثلاثين نَفَرًا: عشرة منهم يروون أَنه كان قَارنًا، وعشرة أَنه كان مُفْرِدًا، وعشرة أَنه كان مُتَمَتّعًا فَنُوَفِّقُ بين هذه الرواياتِ فنقول: لَبَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَوَّلًا بالعمرةِ فسمَعَهُ بعضُ الناس، ثُم رواه. ثُم لَبَّى بعد ذلك بالحج فظنّوا أَنه كان متمتعًا فنقلوا كما وقع عندهم. ثم لَبَّى بعد ذلك بالحج فسمعَهُ قومٌ آخرون، فظنُّوا أَنه مُفْرِدٌ بالحج. ثُمَّ لَبَّى بهما فسمعه قومٌ آخرون، فعلموا أَنه قارنٌ. فكُلٌّ نقل ما وقع عنده. والله أَعلم. وأَمَّا قولُ صاحِب «الهداية» خلافًا للشافعي لقولِهِ عليه الصلاة والسلام: «القران رخصة» فغيرُ معروفٍ. نعم، أَخرَجه الدَّارَقُطْنِيّ عن عائشةَ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لها في عمرتِها التي اعتمرَتْها: «إِنَّما أَجْرُك في عُمرتك على قَدْرِ نَصَبك» .
(وهُوَ) أَي القِران لغةً: الجَمْعُ، مَصْدر قَرَنَ (بين) الشيئين نحو كَتَبَ كِتابًا. وشرعًا: (أَنْ يُهِلَّ) أَي يُحْرم (بِحَجَ وعُمْرَةٍ مِنْ ميقَاتٍ) مِن المواقيت، ولم يُرِد به الاحترازَ عن أَنْ يهل بعمرةٍ وحَجَ قبل الميقاتِ أَو بعده، فإِنَّ الآفاقِي إِذا أَهَلَّ بهما قبل الميقات أَو بعده ـ ولو بمكة ـ يكونُ قارنًا لكنه مسيءٌ، وإِنما أَراد به بيانَ أَنَّ القارن لا يكون إِلاَّ آفاقيًا ولو تقديرًا، وكذا لم يُرد بقوله (مَعًَا) الاحتراز، وإِنَّما أَرادَ به بيانَ الأَوْلَى والأَصل، حتى لو أَحْرَمَ بعمرةٍ من الميقات، ثُم أَحْرَمَ بحجَّةٍ قَبْلَ أَنْ يطوفَ أَرْبعةَ أَشواطٍ من العمرةِ، أَو أَحْرَمَ مِن الميقات بِحجةٍ، ثُم أَحْرَمَ بعمرةٍ قَبْلَ أَنْ يطوفَ كانَ قَارِنًا، وهو قول الشافعي لِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الوَدَاعِ.