وقد ظهر هذا جليًا في هذا العصر فتطاول الناس في البنيان وتفاخروا في طولها وعرضها وزخرفتها ، بل وصل بهم الأمر إلى أن بنوا ما يشبه ناطحات السحاب المشهورة في أمريكا وغيرها من بلدان العالم . وهذه العلامة بدأ ظهورها من بعد عصر النبوة وذلك لأن الدنيا بسطت على المسلمين وكثرت الأعمال في أيديهم بعد الفتوحات ، وامتد بهم الزمان حتى ركن كثيرًا منهم إلى الدنيا ، ودب إليهم داء الأمم قبلهم وهو التنافس في جمع المال وصرفه في غير ما ينبغى أن ينصرف فيه شرعًا ، حتى أن أهل البادية **وأشباههم** من أهل الحاجة والفقر بسطت لهم الدنيا كغيرهم من الناس ، وأخذوا في بناء الأبنية ذوات الطوابق المتعددة وتنافسوا في ذلك .
عن عبد الله بن عمرو قال: مربى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا أطين حائطًا من خص ، فقال: ما هذا يا عبد الله ؟ قلت حائطًا أصلحه يا رسول الله، قال: الأمر أيسر من ذلك . رواه الترمذى [1] خص: بيت قصب .
41-تمنى الموت من شدة البلاء
عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتنى مكانه ) . رواه البخاري [2]
وتمنى الموت يكون عند كثرة الفتن وتغير الأحوال وتبديل رسوم الشريعة ، وهذا إن لم يكن وقع فهو واقع لا محالة .
قال ابن مسعود رضى الله عنه (سيأتى عليكم زمان لو وجد أحدكم الموت يباع لاشتراه ) .
وكما قيل:
وهذا العيش لا خير فيه ألا موت يباع فاشتريه .
قال الحافظ العراقى:
"ولا يلزم كونه في كل بلد ، ولا كل زمن ، ولا في جميع الناس ، بل يصدق اتفاقه للبعض في بعض الأقطار في بعض الأزمان ، وفى تعليق تمنيه بالمرور إشعار بشدة ما نزل بالناس من فساد الحال"
(1) الترمذى 2336 ( صحيح - جامع الأصول 466 )
(2) فتح البارى 7115 - مسلم 157