فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 243

فَصْلٌ: ( الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ غَلَطِ"الْمُرْجِئَةِ": ظَنُّهُمْ أَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ الْإِيمَانِ لَيْسَ إلَّا التَّصْدِيقَ فَقَطْ دُونَ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ ؛ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ جهمية الْمُرْجِئَةِ . ( الثَّالِثُ ظَنُّهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي فِي الْقَلْبِ يَكُونُ تَامًّا بِدُونِ شَيْءٍ مِنْ الْأَعْمَالِ وَلِهَذَا يَجْعَلُونَ الْأَعْمَالَ ثَمَرَةَ الْإِيمَانِ وَمُقْتَضَاهُ بِمَنْزِلَةِ السَّبَبِ مَعَ الْمُسَبِّبِ وَلَا يَجْعَلُونَهَا لَازِمَةً لَهُ ؛ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ إيمَانَ الْقَلْبِ التَّامِّ يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ الظَّاهِرَ بِحَسَبِهِ لَا مَحَالَةَ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ بِالْقَلْبِ إيمَانٌ تَامٌّ بِدُونِ عَمَلٍ ظَاهِرٍ ؛ وَلِهَذَا صَارُوا يُقَدِّرُونَ مَسَائِلَ يَمْتَنِعُ وُقُوعُهَا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الِارْتِبَاطِ الَّذِي بَيْنَ الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ مِثْلَ أَنْ يَقُولُوا: رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْإِيمَانِ مِثْلَ مَا فِي قَلْبِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَهُوَ لَا يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً وَلَا يَصُومُ رَمَضَانَ وَيَزْنِي بِأُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ نَهَارَ رَمَضَانَ ؛ يَقُولُونَ: هَذَا مُؤْمِنٌ تَامُّ الْإِيمَانِ فَيَبْقَى سَائِرُ الْمُؤْمِنِينَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ غَايَةَ الْإِنْكَارِ . قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ حَيَّانَ حَدَّثَنَا مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا سَالِمٌ الْأَفْطَسُ بِالْإِرْجَاءِ فَنَفَرَ مِنْهُ أَصْحَابُنَا نُفُورًا شَدِيدًا مِنْهُمْ مَيْمُونُ بْنُ مهران وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ فَإِنَّهُ عَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لَا يُؤْوِيَهُ وَإِيَّاهُ سَقْفُ بَيْتٍ إلَّا الْمَسْجِدُ قَالَ مَعْقِلٌ: فَحَجَجْت فَدَخَلْت عَلَى عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِي وَهُوَ يَقْرَأُ: { حَتَّى إذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قُلْت: إنَّ لَنَا حَاجَةً فأخلنا فَفَعَلَ ؛ فَأَخْبَرْته أَنَّ قَوْمًا قَبْلَنَا قَدْ أَحْدَثُوا وَتَكَلَّمُوا وَقَالُوا: إنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ لَيْسَتَا مِنْ الدِّينِ ؛ فَقَالَ: أَوَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: { وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } . فَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ مِنْ الدِّينِ قَالَ: فَقُلْت: إنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَيْسَ فِي الْإِيمَانِ زِيَادَةٌ فَقَالَ: أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ فِيمَا أَنْزَلَ: { لِيَزْدَادُوا إيمَانًا مَعَ إيمَانِهِمْ } هَذَا الْإِيمَانَ . فَقُلْت: إنَّهُمْ انتحلوك . وَبَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ ذَرٍّ دَخَلَ عَلَيْك فِي أَصْحَابٍ لَهُ ؛ فَعَرَضُوا عَلَيْك قَوْلَهُمْ فَقَبِلْته . فَقُلْت هَذَا الْأَمْرَ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: قَدِمْت الْمَدِينَةَ فَجَلَسْت إلَى نَافِعٍ فَقُلْت: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إنَّ لِي إلَيْك حَاجَةً فَقَالَ: سِرٌّ أَمْ عَلَانِيَةٌ ؟ فَقُلْت: لَا بَلْ سِرٌّ: قَالَ: رُبَّ سِرٍّ لَا خَيْرَ فِيهِ فَقُلْت: لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا صَلَّيْنَا الْعَصْرَ قَامَ وَأَخَذَ بِثَوْبِي ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْخَوْخَةِ وَلَمْ يَنْتَظِرْ الْقَاصَّ فَقَالَ: حَاجَتُك ؟ قَالَ فَقُلْت: أخلني هَذَا . فَقَالَ: تَنَحَّ ؛ قَالَ: فَذَكَرْت لَهُ قَوْلَهُمْ . فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ:" { أُمِرْت أَنْ أَضْرِبَهُمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؛ فَإِذَا قَالُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ } "قَالَ: قُلْت: إنَّهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نُقِرُّ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فَرْضٌ وَلَا نُصَلِّي ؛ وَبِأَنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ وَنَشْرَبُهَا ؛ وَأَنَّ نِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ حَرَامٌ وَنَحْنُ نَنْكِحُ . فَنَثَرَ يَدَهُ مِنْ يَدِي وَقَالَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ . قَالَ مَعْقِلٌ: فَلَقِيت الزُّهْرِيَّ فَأَخْبَرْته بِقَوْلِهِمْ . فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَقَدْ أَخَذَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْخُصُومَاتِ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ." { لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ؛ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ } ". قَالَ مَعْقِلٌ . فَلَقِيت الْحَكَمَ بْنَ عتبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت