فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 243

فَصْلٌ: وَزِيَادَةُ الْإِيمَانِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَاَلَّذِي يَكُونُ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ يُعْرَفُ مِنْ وُجُوهٍ: ( أَحَدُهَا: الْإِجْمَالُ وَالتَّفْصِيلُ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ فَإِنَّهُ وَإِنْ وَجَبَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَوَجَبَ عَلَى كُلِّ أُمَّةٍ الْتِزَامُ مَا يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُهُمْ مُجْمَلًا فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مَا وَجَبَ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ وَلَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ الْإِيمَانِ الْمُفَصَّلِ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ غَيْرُهُ فَمَنْ عَرَفَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ وَمَعَانِيَهَا لَزِمَهُ مِنْ الْإِيمَانِ الْمُفَصَّلِ بِذَلِكَ مَا لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ وَلَوْ آمَنَ الرَّجُلُ بِاَللَّهِ وَبِالرَّسُولِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ شَرَائِعَ الدِّينِ مَاتَ مُؤْمِنًا بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَانِ وَلَيْسَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَا مَا وَقَعَ عَنْهُ مِثْلَ إيمَانِ مَنْ عَرَفَ الشَّرَائِعَ فَآمَنَ بِهَا وَعَمِلَ بِهَا ؛ بَلْ إيمَانُ هَذَا أَكْمَلُ وُجُوبًا وَوُقُوعًا فَإِنَّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَانِ أَكْمَلُ وَمَا وَقَعَ مِنْهُ أَكْمَلُ . وقَوْله تَعَالَى { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } أَيْ فِي التَّشْرِيعِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى سَائِرِ الْأُمَّةِ وَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ ؛ بَلْ فِي"الصَّحِيحَيْنِ" { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ وَصَفَ النِّسَاءَ بِأَنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ } وَجُعِلَ نُقْصَانُ عَقْلِهَا أَنَّ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَنُقْصَانُ دِينِهَا أَنَّهَا إذَا حَاضَتْ لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي وَهَذَا النُّقْصَانُ لَيْسَ هُوَ نَقْصٌ مِمَّا أُمِرَتْ بِهِ ؛ فَلَا تُعَاقَبُ عَلَى هَذَا النُّقْصَانِ لَكِنْ مَنْ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَفَعَلَهُ كَانَ دِينُهُ كَامِلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ النَّاقِصَةِ الدِّينِ . ( الْوَجْهُ الثَّانِي: الْإِجْمَالُ وَالتَّفْصِيلُ فِيمَا وَقَعَ مِنْهُمْ فَمَنْ آمَنَ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مُطْلَقًا فَلَمْ يُكَذِّبْهُ قَطُّ لَكِنْ أَعْرَضَ عَنْ مَعْرِفَةِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَخَبَرِهِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ؛ فَلَمْ يَعْلَمْ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْمَلْهُ ؛ بَلْ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَآخَرُ طَلَبَ عِلْمَ مَا أُمِرَ بِهِ فَعَمِلَ بِهِ وَآخَرُ طَلَبَ عِلْمَهُ فَعَلِمَهُ وَآمَنَ بِهِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَإِنْ اشْتَرَكُوا فِي الْوُجُوبِ لَكِنْ مَنْ طَلَبَ عِلْمَ التَّفْصِيلِ وَعَمِلَ بِهِ فَإِيمَانُهُ أَكْمَلُ بِهِ ؛ فَهَؤُلَاءِ مِمَّنْ عَرَفَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَالْتَزَمَهُ وَأَقَرَّ بِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَهَذَا الْمُقِرُّ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ الْخَائِفُ مِنْ عُقُوبَةِ رَبِّهِ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ أَكْمَلُ إيمَانًا مِمَّنْ لَمْ يَطْلُبْ مَعْرِفَةَ مَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ وَلَا عَمِلَ بِذَلِكَ ؛ وَلَا هُوَ خَائِفٌ أَنْ يُعَاقَبَ ؛ بَلْ هُوَ فِي غَفْلَةٍ عَنْ تَفْصِيلِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِنُبُوَّتِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا . فَكُلَّمَا عَلِمَ الْقَلْبُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ فَصَدَّقَهُ وَمَا أُمِرَ بِهِ فَالْتَزَمَهُ ؛ كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي إيمَانِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ ؛ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ الْتِزَامٌ عَامٌّ وَإِقْرَارٌ عَامٌّ . وَكَذَلِكَ مَنْ عَرَفَ أَسْمَاءَ اللَّهِ وَمَعَانِيَهَا فَآمَنَ بِهَا ؛ كَانَ إيمَانُهُ أَكْمَلَ مِمَّنْ لَمْ يَعْرِفْ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ بَلْ آمَنَ بِهَا إيمَانًا مُجْمَلًا أَوْ عَرَفَ بَعْضَهَا ؛ وَكُلَّمَا ازْدَادَ الْإِنْسَانُ مَعْرِفَةً بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَآيَاتِهِ كَانَ إيمَانُهُ بِهِ أَكْمَلَ . ( الثَّالِثُ: أَنَّ الْعِلْمَ وَالتَّصْدِيقَ نَفْسَهُ يَكُونُ بَعْضُهُ أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتَ وَأَبْعَدَ عَنْ الشَّكِّ وَالرَّيْبِ وَهَذَا أَمْرٌ يَشْهَدُهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ نَفْسِهِ ؛ كَمَا أَنَّ الْحِسَّ الظَّاهِرَ بِالشَّيْءِ الْوَاحِدِ مِثْلَ رُؤْيَةِ النَّاسِ لِلْهِلَالِ وَإِنْ اشْتَرَكُوا فِيهَا فَبَعْضُهُمْ تَكُونُ رُؤْيَتُهُ أَتَمَّ مِنْ بَعْضٍ ؛ وَكَذَلِكَ سَمَاعُ الصَّوْتِ الْوَاحِدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت