فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 243

وَقَدْ صَارَ النَّاسُ فِي مُسَمَّى الْإِسْلَامِ عَلَى"ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ": قِيلَ: هُوَ الْإِيمَانُ وَهُمَا اسْمَانِ لِمُسَمَّى وَاحِدٍ . وَقِيلَ: هُوَ الْكَلِمَةُ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ لَهُمَا وَجْهٌ سَنَذْكُرُهُ لَكِنَّ التَّحْقِيقَ ابْتِدَاءً هُوَ مَا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ فَفَسَّرَ الْإِسْلَامَ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْإِيمَانَ بِالْإِيمَانِ بِالْأُصُولِ الْخَمْسَةِ فَلَيْسَ لَنَا إذَا جَمَعْنَا بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ أَنْ نُجِيبَ بِغَيْرِ مَا أَجَابَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا إذَا أُفْرِدَ اسْمُ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْإِسْلَامَ ؛ وَإِذَا أُفْرِدَ الْإِسْلَامُ ؛ فَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْإِسْلَامِ مُؤْمِنًا بِلَا نِزَاعٍ ؛ وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ ؛ وَهَلْ يَكُونُ مُسْلِمًا وَلَا يُقَالُ لَهُ: مُؤْمِنٌ ؟ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ . وَكَذَلِكَ هَلْ يَسْتَلْزِمُ الْإِسْلَامَ لِلْإِيمَانِ ؟ هَذَا فِيهِ النِّزَاعُ الْمَذْكُورُ وَسَنُبَيِّنُهُ وَالْوَعْدُ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ بِالْجَنَّةِ وَبِالنَّجَاةِ مِنْ الْعَذَابِ إنَّمَا هُوَ مُعَلَّقٌ بِاسْمِ الْإِيمَانِ وَأَمَّا اسْمُ الْإِسْلَامِ مُجَرَّدًا فَمَا عَلَّقَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ دُخُولَ الْجَنَّةِ لَكِنَّهُ فَرَضَهُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ دِينُهُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ سِوَاهُ . وَبِالْإِسْلَامِ بَعَثَ اللَّهُ جَمِيعَ النَّبِيِّينَ قَالَ تَعَالَى: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } وَقَالَ: { إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } وَقَالَ نُوحٌ: { يَا قَوْمِ إنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ } { فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنْ الْعَذَابِ إلَّا الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: { قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلَّا قَلِيلٌ } وَقَالَ: { وَأُوحِيَ إلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ } وَقَالَ نُوحٌ: { وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا } . وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّ دِينَهُ الْإِسْلَامُ فَقَالَ تَعَالَى: { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } { إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } { وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } وَقَالَ: { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا } وَبِمَجْمُوعِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ عَلَّقَ السَّعَادَةَ فَقَالَ: { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } كَمَا عَلَّقَهُ بِالْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي قَوْلِهِ: { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ الَّذِي هُوَ إخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ مَعَ الْإِحْسَانِ وَهُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ هُوَ وَالْإِيمَانُ الْمَقْرُونُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ مُتَلَازِمَانِ فَإِنَّ الْوَعْدَ عَلَى الْوَصْفَيْنِ وَعْدٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الثَّوَابُ وَانْتِفَاءُ الْعِقَابِ فَإِنَّ انْتِفَاءَ الْخَوْفِ عِلَّةٌ تَقْتَضِي انْتِفَاءَ مَا يَخَافُهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ: { لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } لَمْ يَقُلْ: لَا يَخَافُونَ فَهُمْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَإِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت