فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 243

فَصْلٌ فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرَ مِنْ تَنَوُّعِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكَلَامِ كُلِّ أَحَدٍ ؛ بَيِّنٌ ظَاهِرٌ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ ؛ لَكِنْ نَقُولُ: دَلَالَةُ لَفْظِ الْإِيمَانِ عَلَى الْأَعْمَالِ مَجَازٌ ؛ فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" { الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ؛ أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ } "مَجَازٌ . وَقَوْلُهُ:" { الْإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } ". . . إلَى آخِرِهِ ؛ حَقِيقَةٌ . وَهَذَا عُمْدَةُ الْمُرْجِئَةِ والجهمية والكرامية وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُدْخِلْ الْأَعْمَالَ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ . وَنَحْنُ نُجِيبُ بِجَوَابَيْنِ:"أَحَدُهُمَا": كَلَامٌ عَامٌّ فِي لَفْظِ ( الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ) ."وَالثَّانِي": مَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمَوْضِعِ . فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَجَازًا ؛ مَا هُوَ الْحَقِيقَةُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْمَجَازِ ؟ هَلْ الْحَقِيقَةُ هُوَ الْمُطْلَقُ أَوْ الْمُقَيَّدُ أَوْ كِلَاهُمَا حَقِيقَةٌ حَتَّى يُعْرَفَ أَنَّ لَفْظَ الْإِيمَانِ إذَا أُطْلِقَ عَلَى مَاذَا يُحْمَلُ ؟ . فَيُقَالُ أَوَّلًا: تَقْسِيمُ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعَانِيهَا إلَى"حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ"وَتَقْسِيمُ دَلَالَتِهَا أَوْ الْمَعَانِي الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا إنْ اُسْتُعْمِلَ لَفْظُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي الْمَدْلُولِ أَوْ فِي الدَّلَالَةِ ؛ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ قَدْ يَقَعُ فِي كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ . وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ وَبِكُلِّ حَالٍ فَهَذَا التَّقْسِيمُ هُوَ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ فِي الْعِلْمِ كَمَالِكِ وَالثَّوْرِيِّ والأوزاعي وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ بَلْ وَلَا تَكَلَّمَ بِهِ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ كَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ وَنَحْوِهِمْ . وَأَوَّلُ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِلَفْظِ"الْمَجَازِ"أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِهِ . وَلَكِنْ لَمْ يَعْنِ بِالْمَجَازِ مَا هُوَ قَسِيمُ الْحَقِيقَةِ . وَإِنَّمَا عَنَى بِمَجَازِ الْآيَةِ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْآيَةِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ - كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَأَمْثَالِهِ - إنَّمَا تُعْرَفُ الْحَقِيقَةُ مِنْ الْمَجَازِ بِطُرُقِ مِنْهَا: نَصُّ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولُوا: هَذَا حَقِيقَةٌ وَهَذَا مَجَازٌ ، فَقَدْ تَكَلَّمَ بِلَا عِلْمٍ ، فَإِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا هَذَا وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَا مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَعُلَمَائِهَا وَإِنَّمَا هَذَا اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ وَالْغَالِبُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ السَّلَفِ . وَهَذَا الشَّافِعِيُّ هُوَ أَوَّلُ مَنْ جَرَّدَ الْكَلَامَ فِي"أُصُولِ الْفِقْهِ"لَمْ يُقَسِّمْ هَذَا التَّقْسِيمَ"وَلَا تَكَلَّمَ بِلَفْظِ"الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ". وَكَذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَهُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ كَلَامٌ مَعْرُوفٌ فِي"الْجَامِعِ الْكَبِيرِ"وَغَيْرِهِ ؛ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِلَفْظِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ . وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَئِمَّةِ لَمْ يُوجَدْ لَفْظُ الْمَجَازِ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْهُمْ إلَّا فِي كَلَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الجهمية فِي قَوْلِهِ: ( إنَّا ، وَنَحْنُ ) وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ: هَذَا مِنْ مَجَازِ اللُّغَةِ يَقُولُ الرَّجُلُ: إنَّا سَنُعْطِيك . إنَّا سَنَفْعَلُ ؛ فَذَكَرَ أَنَّ هَذَا مَجَازُ اللُّغَةِ . وَبِهَذَا احْتَجَّ عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ: إنَّ فِي"الْقُرْآنِ"مَجَازًا كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَابْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمْ . وَآخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَنَعُوا أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ مَجَازٌ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت