فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 243

وَشَمُّ الرَّائِحَةِ الْوَاحِدَةِ وَذَوْقُ النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنْ الطَّعَامِ فَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ الْقَلْبِ وَتَصْدِيقُهُ يَتَفَاضَلُ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَالْمَعَانِي الَّتِي يُؤْمِنُ بِهَا مِنْ مَعَانِي أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَكَلَامُهُ يَتَفَاضَلُ النَّاسُ فِي مَعْرِفَتِهَا أَعْظَمَ مِنْ تَفَاضُلِهِمْ فِي مَعْرِفَةِ غَيْرِهَا . ( الرَّابِعُ أَنَّ التَّصْدِيقَ الْمُسْتَلْزِمَ لِعَمَلِ الْقَلْبِ أَكْمَلُ مِنْ التَّصْدِيقِ الَّذِي لَا يَسْتَلْزِمُ عَمَلَهُ ؛ فَالْعِلْمُ الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ صَاحِبُهُ أَكْمَلُ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِهِ وَإِذَا كَانَ شَخْصَانِ يَعْلَمَانِ أَنَّ اللَّهَ حَقٌّ وَرَسُولَهُ حَقٌّ وَالْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ وَهَذَا عِلْمُهُ أَوْجَبَ لَهُ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَخَشْيَتَهُ وَالرَّغْبَةَ فِي الْجَنَّةِ وَالْهَرَبَ مِنْ النَّارِ وَالْآخَرُ عِلْمُهُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ ؛ فَعِلْمُ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ ؛ فَإِنَّ قُوَّةَ الْمُسَبِّبِ دَلَّ عَلَى قُوَّةِ السَّبَبِ وَهَذِهِ الْأُمُورُ نَشَأَتْ عَنْ الْعِلْمِ فَالْعِلْمُ بِالْمَحْبُوبِ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَهُ ؛ وَالْعِلْمُ بِالْمَخُوفِ يَسْتَلْزِمُ الْهَرَبَ مِنْهُ ؛ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ اللَّازِمُ دَلَّ عَلَى ضَعْفِ الْمَلْزُومِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" { لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايِنِ } "فَإِنَّ مُوسَى لَمَّا أَخْبَرَهُ رَبُّهُ أَنَّ قَوْمَهُ عَبَدُوا الْعِجْلَ لَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ . فَلَمَّا رَآهُمْ قَدْ عَبَدُوهُ أَلْقَاهَا ؛ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِشَكِّ مُوسَى فِي خَبَرِ اللَّهِ لَكِنَّ الْمُخْبِرَ وَإِنْ جَزَمَ بِصِدْقِ الْمُخْبَرِ فَقَدْ لَا يَتَصَوَّرُ الْمُخْبَرَ بِهِ فِي نَفْسِهِ كَمَا يَتَصَوَّرُهُ إذَا عَايَنَهُ ؛ بَلْ يَكُونُ قَلْبُهُ مَشْغُولًا عَنْ تَصَوُّرِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا بِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ تَصَوُّرِ الْمُخْبَرِ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمُخْبِرِ فَهَذَا التَّصْدِيقُ أَكْمَلُ مِنْ ذَلِكَ التَّصْدِيقِ . ( الْخَامِسُ: أَنَّ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ مِثْلَ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَجَائِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ هِيَ كُلُّهَا مِنْ الْإِيمَانِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاتِّفَاقُ السَّلَفِ ؛ وَهَذِهِ يَتَفَاضَلُ النَّاسُ فِيهَا تَفَاضُلًا عَظِيمًا .( السَّادِسُ ) : أَنَّ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ مَعَ الْبَاطِنَةِ هِيَ أَيْضًا مِنْ الْإِيمَانِ وَالنَّاسُ يَتَفَاضَلُونَ فِيهَا . ( السَّابِعُ ذِكْرُ الْإِنْسَانِ بِقَلْبِهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَاسْتِحْضَارُهُ لِذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ غَافِلًا عَنْهُ ؛ أَكْمَلُ مِمَّنْ صَدَّقَ بِهِ وَغَفَلَ عَنْهُ ؛ فَإِنَّ الْغَفْلَةَ تُضَادُّ كَمَالَ الْعِلْمِ ؛ وَالتَّصْدِيقُ وَالذِّكْرُ وَالِاسْتِحْضَارُ يُكْمِلُ الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ عُمَيْرُ بْنُ حَبِيبٍ مِنْ الصَّحَابَةِ إذَا ذَكَرْنَا اللَّهَ وَحَمِدْنَاهُ وَسَبَّحْنَاهُ فَتِلْكَ زِيَادَتُهُ ؛ وَإِذَا غَفَلْنَا وَنَسِينَا وَضَيَّعْنَا فَذَلِكَ نُقْصَانُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ ؛ وَكَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: اجْلِسُوا بِنَا سَاعَةً نُؤْمِنُ قَالَ تَعَالَى { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } وَقَالَ تَعَالَى: { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } وَقَالَ تَعَالَى: { سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى } { وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى } ثُمَّ كُلَّمَا تَذَكَّرَ الْإِنْسَانُ مَا عَرَفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ؛ وَعَمِلَ بِهِ حَصَلَ لَهُ مَعْرِفَةُ شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ عَرَفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَعَرَفَ مِنْ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَرَفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا فِي الْأَثَرِ" { مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } "وَهَذَا أَمْرٌ يَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ كُلُّ مُؤْمِنٍ . وَفِي"الصَّحِيحِ"عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" { مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَاَلَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ } ". قَالَ تَعَالَى: { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا } وَذَلِكَ أَنَّهَا تَزِيدُهُمْ عِلْمَ مَا لَمْ يَكُونُوا قَبْلَ ذَلِكَ عَلِمُوهُ وَتَزِيدُهُمْ عَمَلًا بِذَلِكَ الْعِلْمِ وَتَزِيدُهُمْ تَذَكُّرًا لِمَا كَانُوا نَسُوهُ وَعَمَلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت