أَتَيْتُك حَتَّى حَلَفْت عَدَدَ أَصَابِعِي هَذِهِ أَنْ لَا آتِيَك فَبِاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا بَعَثَك بِهِ ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ . قَالَ: وَمَا الْإِسْلَامُ ؟ قَالَ أَنْ تُسْلِمَ قَلْبَك لِلَّهِ وَأَنْ تُوَجِّهَ وَجْهَك إلَى اللَّهِ وَأَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ أَخَوَانِ نَصِيرَانِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ عَبْدٍ أَشْرَكَ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ { أَنْ تَقُولَ: أَسْلَمْت وَجْهِي لِلَّهِ وَتَخَلَّيْت وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَكُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى مُسْلِمٍ مُحَرَّمٌ } وَفِي لَفْظٍ تَقُولُ { أَسْلَمْت نَفَسِي لِلَّهِ وَخَلَّيْت وَجْهِي إلَيْهِ } وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ معدان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ لِلْإِسْلَامِ صُوًى وَمَنَارًا كَمَنَارِ الطَّرِيقِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا . وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَتُسَلِّمَ عَلَى بَنِي آدَمَ إذْ لَقِيتهمْ فَإِنْ رَدُّوا عَلَيْك رَدَّتْ عَلَيْك وَعَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ وَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا عَلَيْك رَدَّتْ عَلَيْك الْمَلَائِكَةُ وَلَعَنَتْهُمْ إنْ سَكَتَ عَنْهُمْ وَتَسْلِيمُك عَلَى أَهْلِ بَيْتِك إذَا دَخَلْت عَلَيْهِمْ فَمَنْ انْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا فَهُوَ سَهْمٌ فِي الْإِسْلَامِ تَرَكَهُ وَمَنْ تَرَكَهُنَّ فَقَدْ نَبَذَ الْإِسْلَامَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ } . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً } قَالَ مُجَاهِدٌ: وقتادة: نَزَلَتْ فِي الْمُسْلِمِينَ يَأْمُرُهُمْ بِالدُّخُولِ فِي شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَ مَنْ قَالَ: نَزَلَتْ فِيمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ فِيمَنْ لَمْ يُسْلِمْ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ مَأْمُورُونَ أَيْضًا بِذَلِكَ وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: { فِي السِّلْمِ } أَيْ فِي الْإِسْلَامِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ الطَّاعَةُ وَكِلَاهُمَا مَأْثُورٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكِلَاهُمَا حَقٌّ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الطَّاعَةُ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَعْمَالِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ: { كَافَّةً } فَقَدْ قِيلَ: الْمُرَادُ اُدْخُلُوا كُلُّكُمْ . وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ اُدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ جَمِيعِهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُؤْمَرُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: { ادْخُلُوا } خِطَابٌ لَهُمْ كُلِّهِمْ فَقَوْلُهُ { كَافَّةً } إنْ أُرِيدَ بِهِ مُجْتَمِعِينَ لَزِمَ أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ الْإِسْلَامَ حَتَّى يُسْلِمَ غَيْرُهُ فَلَا يَكُونُ الْإِسْلَامُ مَأْمُورًا بِهِ إلَّا بِشَرْطِ مُوَافَقَةِ الْغَيْرِ لَهُ كَالْجُمُعَةِ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ وَإِنْ أُرِيدَ بِ" { كَافَّةً } ": أَيْ اُدْخُلُوا جَمِيعُكُمْ فَكُلُّ أَوَامِرِ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: { آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } كُلُّهَا مِنْ هَذَا الْبَابِ وَمَا قِيلَ فِيهَا كَافَّةً وقَوْله تَعَالَى { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } أَيْ قَاتِلُوهُمْ كُلَّهُمْ لَا تَدَعُوا مُشْرِكًا حَتَّى تُقَاتِلُوهُ فَإِنَّهَا أُنْزِلَتْ بَعْدَ نَبْذِ الْعُهُودِ لَيْسَ الْمُرَادُ: قَاتِلُوهُمْ مُجْتَمِعِينَ أَوْ جَمِيعُكُمْ فَإِنَّ هَذَا لَا يَجِبُ بَلْ يُقَاتِلُونَ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَالْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فَإِذَا كَانَتْ فَرَائِضُ الْأَعْيَانِ لَمْ يُؤَكِّدْ الْمَأْمُورِينَ فِيهَا بِ" { كَافَّةً } "فَكَيْفَ يُؤَكِّدُ بِذَلِكَ فِي فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَعْمِيمُ الْمُقَاتِلِينَ . وَقَوْلُهُ: { كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً } فِيهِ احْتِمَالَانِ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالدُّخُولِ فِي جَمِيعِ الْإِسْلَامِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ الْإِسْلَامِ وَجَبَ الدُّخُولُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْأَعْيَانِ لَزِمَهُ فِعْلُهُ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْكِفَايَةِ اُعْتُقِدَ وُجُوبُهُ وَعَزَمَ عَلَيْهِ إذَا تَعَيَّنَ أَوْ أَخَذَ بِالْفَضْلِ فَفَعَلَهُ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا اعْتَقَدَ حُسْنَهُ وَأَحَبَّ فِعْلَهُ وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: