فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 243

أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ صَدَّقَ فُلَانًا أَوْ كَذَّبَهُ إذَا كَانَ يَعْلَمُ بِقَلْبِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ أَوْ كَاذِبٌ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِذَلِكَ . كَمَا لَا يُقَالُ: أَمَرَهُ أَوْ نَهَاهُ إذَا قَامَ بِقَلْبِهِ طَلَبٌ مُجَرَّدٌ عَمَّا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ لَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا . وَلَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" { إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ } ". وَقَالَ:" { إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ } "اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَامِدًا لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهَا ؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ . وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ مَا يَقُومُ بِالْقَلْبِ مِنْ تَصْدِيقٍ بِأُمُورِ دُنْيَوِيَّةٍ وَطَلَبٍ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَإِنَّمَا يُبْطِلُهَا التَّكَلُّمُ بِذَلِكَ . فَعُلِمَ اتِّفَاقُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِكَلَامِ . وَأَيْضًا فَفِي"الصَّحِيحَيْنِ"عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ } "فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ إلَّا أَنْ تَتَكَلَّمَ ؛ فَفَرَّقَ بَيْنَ حَدِيثِ النَّفْسِ وَبَيْنَ الْكَلَامِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِهِ ، وَالْمُرَادُ حَتَّى يَنْطِقَ بِهِ اللِّسَانُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ . فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي اللُّغَةِ ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ - كَمَا قَرَّرَ - إنَّمَا خَاطَبَنَا بِلُغَةِ الْعَرَبِ . وَأَيْضًا فَفِي"السُّنَنِ" { أَنَّ مُعَاذًا قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ: وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ } ". فَبَيَّنَ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ مَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ . وَفِي"الصَّحِيحِ"عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:" { أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ } "."وَفِي الصَّحِيحَيْنِ"عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:" { كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ } "وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلَّا كَذِبًا } وَفِي"الصَّحِيحِ"عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:" { أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ أَرْبَعُ كَلِمَاتٍ وَهُنَّ فِي الْقُرْآنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ } ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَقَالَ تَعَالَى: { إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ . وَفِي الْجُمْلَةِ: حَيْثُ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ أَتْبَاعِهِمْ أَوْ مُكَذِّبِيهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا وَيَقُولُونَ وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الْمَعْنَى مَعَ اللَّفْظِ . فَهَذَا اللَّفْظُ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ مِنْ فِعْلٍ مَاضٍ وَمُضَارِعٍ وَأَمْرٍ وَمَصْدَرٍ وَاسْمِ فَاعِلٍ مِنْ لَفْظِ الْقَوْلِ وَالْكَلَامِ وَنَحْوِهِمَا ؛ إنَّمَا يُعْرَفُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَسَائِرِ كَلَامِ الْعَرَبِ إذَا كَانَ لَفْظًا وَمَعْنًى وَكَذَلِكَ أَنْوَاعُهُ كَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَحَدًا جَحْدُهُ فَإِنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى . وَلَمْ يَكُنْ فِي مُسَمَّى"الْكَلَامِ"نِزَاعٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَتَابِعِيهِمْ لَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ . بَلْ أَوَّلُ مَنْ عُرِفَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّهُ جَعَلَ مُسَمَّى الْكَلَامِ الْمَعْنَى فَقَطْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كِلَابٍ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ - فِي زَمَنِ مِحْنَةِ أَحْمَد بْنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت