قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: ( بَابٌ ) فِي ذِكْرِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ: اعْلَمْ أَنَّ غَرَضَنَا فِي هَذَا الْبَابِ يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ ذِكْرِ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ . قَالَ: وَهَذَا مِمَّا تَبَايَنَتْ فِيهِ مَذَاهِبُ الْإِسْلَامِيِّينَ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ والكرامية ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا مَذَاهِبُ أَصْحَابِنَا فَصَارَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالنُّظَّارِ مِنْهُمْ إلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ وَبِهِ قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ رَأْيُهُ فِي مَعْنَى التَّصْدِيقِ ؛ وَقَالَ مَرَّةً: الْمَعْرِفَةُ بِوُجُودِهِ وَقِدَمِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ . وَقَالَ مَرَّةً: التَّصْدِيقُ: قَوْلٌ فِي النَّفْسِ غَيْرَ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْمَعْرِفَةَ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ دُونَهَا وَهَذَا مُقْتَضَاهُ ؛ فَإِنَّ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ وَالصِّدْقَ وَالْكَذِبَ بِالْأَقْوَالِ أَجْدَرُ فَالتَّصْدِيقُ إذًا قَوْلٌ فِي النَّفْسِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاللِّسَانِ فَتُوصَفُ الْعِبَادَةُ بِأَنَّهَا تَصْدِيقٌ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ التَّصْدِيقِ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: التَّصْدِيقُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْقَوْلِ وَالْمَعْرِفَةِ جَمِيعًا فَإِذَا اجْتَمَعَا كَانَا تَصْدِيقًا وَاحِدًا . وَمِنْهُمْ مَنْ اكْتَفَى بِتَرْكِ الْعِنَادِ ؛ فَلَمْ يَجْعَلْ الْإِقْرَارَ أَحَدَ رُكْنَيْ الْإِيمَانِ فَيَقُولُ: الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَأَوْجَبَ تَرْكَ الْعِنَادِ بِالشَّرْعِ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَجُوزُ أَنْ يَعْرِفَ الْكَافِرُ اللَّهَ وَإِنَّمَا يَكْفُرُ بِالْعِنَادِ لَا لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا هُوَ الْأَهَمُّ فِي الْإِيمَانِ . وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يُقَالُ: إنَّ الْيَهُودَ كَانُوا عَالِمِينَ بِاَللَّهِ وَنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا عِنَادًا وَبَغْيًا وَحَسَدًا . قَالَ وَعَلَى قَوْلِ شَيْخِنَا أَبِي الْحَسَنِ: كُلُّ مَنْ حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ فَنَقُولُ: إنَّهُ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ أَصْلًا وَلَا عَرَفَ رَسُولَهُ وَلَا دِينَهُ . قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيُّ تِلْمِيذُهُ: كَأَنَّ الْمَعْنَى: لَا حُكْمَ لِإِيمَانِهِ وَلَا لِمَعْرِفَتِهِ شَرْعًا . قُلْت: وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَمَا قَالَهُ الْأَنْصَارِيُّ هَذَا وَلَكِنْ عَلَى قَوْلِهِمْ: الْمُعَانِدُ كَافِرٌ شَرْعًا فَيَجْعَلُ الْكُفْرَ تَارَةً بِانْتِفَاءِ الْإِيمَانِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ وَتَارَةً بِالْعِنَادِ ، وَيُجْعَلُ هَذَا كَافِرًا فِي الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فِي الشَّرْعِ مَعَ أَنَّ مَعَهُ الْإِيمَانَ الَّذِي هُوَ مِثْلُ إيمَانِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ . وَالْحُذَّاقُ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ ؛ كَأَبِي الْحَسَنِ وَالْقَاضِي وَمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ جَهْمٍ عَرَفُوا أَنَّ هَذَا تَنَاقُضٌ يُفْسِدُ الْأَصْلَ فَقَالُوا: لَا يَكُونُ أَحَدٌ كَافِرًا إلَّا إذَا ذَهَبَ مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ التَّصْدِيقِ وَالْتَزَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِكُفْرِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَلَا مَعْرِفَةِ رَسُولِهِ وَلِهَذَا أَنْكَرَ هَذَا عَلَيْهِمْ جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ وَقَالُوا: هَذَا مُكَابَرَةٌ وَسَفْسَطَةٌ . وَقَدْ احْتَجُّوا عَلَى قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } إلَى قَوْلِهِ: { أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ } الْآيَةَ . قَالُوا: وَمَفْهُومُ هَذَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَاهُ لَمْ يُكْتَبْ فِي قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانُ . قَالُوا: فَإِنْ قِيلَ مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِنُونَ إيمَانًا مُجْزِئًا مُعْتَدًّا بِهِ أَوْ يَكُونُ الْمَعْنَى: لَا يُؤَدُّونَ حُقُوقَ الْإِيمَانِ وَلَا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضَاهُ . قُلْنَا: هَذَا عَامٌّ لَا يُخَصَّصُ إلَّا بِدَلِيلِ . فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا نَفْيُ الْإِيمَانِ عَمَّنْ يُوَادُّ الْمُحَادِّينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَفِيهَا أَنَّ مَنْ لَا يُوَادُّ الْمُحَادِّينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْإِيمَانِ مِنْ مَحَبَّةِ الْقَلْبِ لِلَّهِ