فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 243

يَنْفَعُ وَإِنَّمَا الثَّوَابُ عَلَى الْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا . قِيلَ: هَذَا صَحِيحٌ لَكِنْ إذَا لَمْ يَكُنْ الْإِيمَانُ إلَّا مُجَرَّدَ الْعِلْمِ ؛ فَهَذِهِ الْحَقِيقَةُ لَا تَخْتَلِفُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَمَلُ مِنْ الْإِيمَانِ فَالْعَارِفُ فِي الْآخِرَةِ لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ مِنْ الْإِيمَانِ . لَكِنَّ أَكْثَرَ مَا يَدَّعُونَهُ أَنَّهُ حِينَ مَاتَ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ مِنْ التَّصْدِيقِ بِالرَّبِّ شَيْءٌ . وَنُصُوصُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُصَدِّقِينَ بِالرَّبِّ حَتَّى فِرْعَوْنُ الَّذِي أَظْهَرَ التَّكْذِيبَ كَانَ فِي بَاطِنِهِ مُصَدِّقًا . قَالَ تَعَالَى: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } وَكَمَا قَالَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ: { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ } وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا ؛ بَلْ قَالَ مُوسَى: { رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ } قَالَ اللَّهُ: { قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا } وَلَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ: { آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ } . قَالَ اللَّهُ: { آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } . فَوَصَفَهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَلَمْ يَصِفْهُ بِعَدَمِ الْعِلْمِ فِي الْبَاطِنِ كَمَا قَالَ: { فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ } وَكَمَا قَالَ عَنْ إبْلِيسَ: { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } { إلَّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } فَلَمْ يَصِفْهُ إلَّا بِالْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ وَمُعَارَضَتِهِ الْأَمْرَ ، لَمْ يَصِفْهُ بِعَدَمِ الْعِلْمِ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ الْكُفَّارِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالصَّانِعِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } . ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: إذَا قُلْتُمْ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ أَوْ بِاللِّسَانِ أَوْ بِهِمَا ؛ فَهَلْ هُوَ التَّصْدِيقُ الْمُجْمَلُ ؟ أَوْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ ؟ فَلَوْ صَدَّقَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَلَمْ يَعْرِفْ صِفَاتِ الْحَقِّ هَلْ يَكُونُ مُؤْمِنًا أَمْ لَا ؟ فَإِنْ جَعَلُوهُ مُؤْمِنًا . قِيلَ: فَإِذَا بَلَغَهُ ذَلِكَ فَكَذَّبَ بِهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ فَصَارَ بَعْضُ الْإِيمَانِ أَكْمَلَ مِنْ بَعْضٍ ؛ وَإِنْ قَالُوا: لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا لَزِمَهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ مُؤْمِنًا حَتَّى يَعْرِفَ تَفْصِيلَ كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَكْثَرَ الْأُمَّةِ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَعِنْدَهُمْ الْإِيمَانُ لَا يَتَفَاضَلُ إلَّا بِالدَّوَامِ فَقَطْ . قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فَإِنْ قَالَ الْقَائِلُ: أَصْلُكُمْ يَلْزَمُكُمْ أَنْ يَكُونَ إيمَانُ الْمُنْهَمِكِ فِي فِسْقِهِ كَإِيمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قُلْنَا: الَّذِي يُفَضِّلُ إيمَانَهُ عَلَى إيمَانِ مَنْ عَدَاهُ بِاسْتِمْرَارِ تَصْدِيقِهِ وَعِصْمَةِ اللَّهِ إيَّاهُ مِنْ مُخَامَرَةِ الشُّكُوكِ وَاخْتِلَاجِ الرِّيَبِ ، وَالتَّصْدِيقُ عَرَضٌ مِنْ الْأَعْرَاضِ لَا يَبْقَى وَهُوَ مُتَوَالٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَابِتٌ لِغَيْرِهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَزَائِلٌ عَنْهُ فِي أَوْقَاتِ الْفَتَرَاتِ فَيَثْبُتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْدَادٌ مِنْ التَّصْدِيقِ وَلَا يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ إلَّا بَعْضُهَا فَيَكُونُ إيمَانُهُ لِذَلِكَ أَكْثَرَ وَأَفْضَلَ ؛ قَالَ: وَلَوْ وُصِفَ الْإِيمَانُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَأُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ كَانَ مُسْتَقِيمًا . قُلْت: فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَفْضُلُ بِهِ النَّبِيُّ غَيْرَهُ فِي الْإِيمَانِ عِنْدَهُمْ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت