مناط الحكم على الديمقراطية هو كون السيادة فيها للشعب، بما تعنيه السيادة من كونها سلطة عليا لا تعترف بسلطة أعلى منها فهي تستمد سلطتها من ذاتها دون قيد ٍ من شيء، فتفعل ما تشاء وتشرّع ما تريد دون مراجعة أحد لها، وهذه هي صفة الله تعالى، كما قال تعالى (والله يحكم لا مُعَقِّبَ لحكمه) الرعد 41، وقال تعالى (إن الله يحكم ما يريد) المائدة 1، وقال تعالى (إن الله يفعل ما يريد) الحج 14. ونخلص من هذا إلى أن الديمقراطية تخلع صفة الألوهية على الإنسان بمنحها إياه الحق المطلق في التشريع، فجعلته بذلك إلها مع الله وشريكا له في حق التشريع للخلق، وهذا كفر أكبر لا ريب فيه. وبتعبير أدق فإن الإله الجديد في الديمقراطية هو هَوَى الإنسان، فيشرع ما يراه بهواه غير مقيد بشيء، قال تعالى (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا، أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضلُّ سبيلا) الفرقان 43 - 44. وهذا يجعل من الديمقراطية دينا قائما بذاته السيادة فيه للشعب في مقابل دين الإسلام الذي السيادة فيه لله تعالى، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (السيد الله تبارك وتعالى) الحديث، رواه أبو داود في كتاب الأدب من سننه، وإسناده صحيح.
وفي بيان ما تنطوي عليه الديمقراطية من تأليه للبشر، قال الأستاذ أبو الأعلى المودودي(قواعد المدنية الغربية: إن المدنية الحديثة التي يقوم في ظلها نظام الحياة الحالي بمختلف فروعه العقائدية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية والثقافية ترتكز على دعائم ثلاث، هي المبادئ الرئيسية الآتية: العلمانية، القومية، الديمقراطية.- إلى أن قال- أما المبدأ الثالث: الديمقراطية، أو تأليه الإنسان، فبانضمامه إلى المبدأين السابقين تكتمل الصورة التي تضم في إطارها محنة هذا العالم ومتاعبه، لقد قلت آنفا إن مفهوم الديمقراطية في المدنية الحديثة هو حاكمية الجماهير، أي أن يكون أفراد قطر من الأقطار أحرارًا فيما يتعلق بتحقيق مصالحهم الاجتماعية، وأن يكون قانون هذا القطر تابعا لأهوائهم - إلى قوله - وإذا تأملنا المبادئ الثلاثة الآن فإننا نجد: أن العلمانية قد حررت الناس من عبادة الله وطاعته وخشيته ومن الضوابط الخلقية الثابتة وألقت حبلهم على غاربهم وجعلتهم عبيدًا لأنفسهم غير مسئولين أمام أحد. ثم تأتي القومية لتقدم لهم جرعات كبيرة من خمر الأنانية والكبرياء والاستعلاء واحتقار الآخرين.
وتأتي أخيرًا الديمقراطية وتجلس هذا الإنسان - بعد أن أُطلق له العنان وصار أسير أهواء النفس وأخيذ نشوة الأنانية - على عرش التأليه، فتخوّل له جميع سلطات التشريع والتقنين، وتسخر له الجهاز الحكومي بكافة إمكانياته في الحصول على كل شيء يطلبه.
ثم قال المودودي - وإني أقول للمسلمين بصراحة إن الديمقراطية القومية العلمانية تعارض ما تعتنقوه من دين وعقيدة، وإذا استسلمتم لها فكأنكم تركتم كتاب الله وراء ظهوركم، وإذا ساهمتم في إقامتها أو إبقائها فستكونون بذلك قد خنتم رسولكم الذي أرسله الله إليكم -إلى قوله - فحيث يوجد هذا النظام فإننا لا نعتبر الإسلام موجودًا وحيث وجد الإسلام فلا مكان لهذا النظام)من كتاب (الإسلام والمدنية الحديثة) للمودودي، ترجمة خليل الحامدي. وبعد هذا الكلام بقي أن يعلم القارئ أن جماعة المودودي، وهى الجماعة الإسلامية بباكستان قد اتخذت الديمقراطية منهجًا وشاركت في الانتخابات البرلمانية في باكستان- وهى دولة علمانية- في حياة المودودي وبعد وفاته وإلى اليوم. قال تعالى (لم تقولون مالا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) الصف، وقال تعالى {أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} البقرة:44.
وإذا كان الشعب صاحب السيادة-في الديمقراطية-يمارس سيادته بواسطة نوابه في البرلمان. فإن كلا الفريقين واقع في الكفر: نواب البرلمانات ومن ينتخبونهم من الشعب لهذه المناصب.
أما نواب البرلمان فسبب كفرهم هو أنهم هم أصحاب السيادة الفعلية فهم المشرعون للناس من دون الله سواء بوضع القوانين أو بإجازتها والموافقة عليها، و تنص جميع الدساتير العلمانية المعاصرة على أنه (يتولى البرلمان سلطة التشريع) سواء كان البرلمان يسمى بمجلس الشعب أو الجمعية الوطنية أو الكونجرس أو الجمعية التشريعية أو غير ذلك، وهذا يجعل النواب شركاء مع الله في ربوبيته،