(مجلة البحوث الإسلامية) الصادرة عن الرئاسة العامة للبحوث والدعوة والإفتاء بالسعودية، العدد السابع، ص17 - 18. وفي رسالته (نقد القومية العربية) وصف الشيخ ابن باز الحكم بالقوانين الوضعية بأنه (هذا هو الفساد العظيم والكفر المستبين والردّة السافرة) ص50.
فأعضاء البرلمانات مسئولون عن استمرار الحكومات في الحكم بالقوانين الوضعية، كما أنهم مسئولون عن تشريع ما يستجد من هذه القوانين، وكلا الوظيفتين من الكفر الأكبر المستبين، (ظلمات بعضها فوق بعض) . وهذا كله في بيان أسباب كفر أعضاء البرلمانات الراضي منهم والمعترض الذي يزعم أنه ما دخلها إلا للدعوة الإسلامية، وقد علمت أن هؤلاء المعترضين طُلب منهم عند بدء عملهم في البرلمان أن يؤدوا قَسَمَ البرلمان الذي ينص على الإقرار باحترام الدستور والقانون، فأدوا القَسَم وزادوا عليه (في غير معصية) ، وهذا لا يخرجهم من الكفر بل هو مزيد كفر لأنه استخفاف بدين الله، فكلمة (في غير معصية) إنما تقال في بيعة ولاة أمور المسلمين على كتاب الله وسنة رسوله في غير معصية كما وردت الآثار بذلك، لا تقال في الإقرار بالشرك، فمن قال (في غير معصية) مع إقراره بالشرك-وهو الالتزام بالدستور والقانون الوضعيَّيْن-فهو مستهزئ بدين الله، كمن يقول أشهد أن المسيح ابن الله في غير معصية، سواء بسواء، هذا ما يتعلق بنواب البرلمانات.
أما الذين ينتخبونهم من أفراد الشعب فيكفرون أيضا، لأنه بموجب الديمقراطية النيابية فإن الناخبين هم في الحقيقة إنما يوكلون النواب في ممارسة السيادة الشركية-التشريع من دون الله-نيابة عنهم، فالناخبون يمنحون النواب حق ممارسة الشرك، وينصبونهم- بانتخابهم- أربابا مشرعين من دون الله، قال تعالى {وَلَا يَامُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَامُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} آل عمران80، فإذا كان من يتخذ الملائكة والنبيين أربابا يكفر، فكيف بمن يتخذ النواب كذلك؟ ويرد هنا أيضا قوله تعالى (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابا من دون الله) آل عمران 64، فاتخاذ الناس أربابا من دون الله هو الشرك والكفر بالله، وهذا ما يفعله الذين ينتخبون نواب البرلمانات. قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله ــ في كلامه عن الآية السابقة ــ (إن الناس في جميع النظم الأرضية يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله ... يقع هذا في أرقى الديمقراطيات كما يقع في أحط الديكتاتوريات سواء .. إن أول خصائص الربوبية هو حق تعبد الناس، حق إقامة النظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين .. وهذا الحق في جميع الأنظمة الأرضية يدعيه بعض الناس-في صورة من الصور- ويرجع الأمر فيه إلى مجموعة من الناس على أي وضع من الأوضاع- وهذه المجموعة التي تُخْضع الآخرين لتشريعها وقيمها وموازينها وتصوراتها هي الأرباب الأرضية التي يتخذها بعض الناس أربابا من دون الله، ويسمحون لها بادعاء الألوهية والربوبية، وهم بذلك يعبدونها من دون الله، وإن لم يسجدوا لها ويركعوا، فالعبودية عبادة لا يتوجه بها إلا لله-إلى قوله:- والإسلام- بهذا المعنى- هو الدين عند الله، وهو الذي جاء به كل رسول من عند الله، لقد أرسل الله الرسل بهذا الدين ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور العباد إلى عدل الله ... فمن تولى عنه فليس مسلما بشهادة الله، مهما أوّل المؤولون، وضلل المضللون ...(إن الدين عند الله الإسلام) .. أ ه (في ظلال القرآن لسيد قطب 1/ 604 - 704) . فهذا ما يتعلق ببيان أسباب كفر الناخبين.
إن هذه البرلمانات العلمانية التي يتم فيها تقنين شرائع الكفر وإجازتها بل والإلزام بالعمل بها، هي اليوم أشبه شيء بمعابد المشركين التي ينصبون فيها آلهتهم ويمارسون فيها طقوسهم الشركية الوثنية. وإن كل من يعين على إقامة هذه البرلمانات -سواء بالاشتراك في عضويتها وهو ما يفعله النواب أو باختيار أعضائها وهو ما يفعله الناخبون أو بتزيين ذلك للناس-هو كافر.