أقروا بالتحريم جلدوا وإن لم يقروا به كفروا) أهـ ص530 ... ثم إن عمر بين له غلطه وقال له: (أما إنك لو اتقيت لاجتنبت ما حرم عليك، ولم تشرب الخمر .. ) فرجع، ولم يكفره بذلك، بل اكتفى بإقامة حد الخمر عليه، ولم يخالفه أحد من الصحابة بذلك.
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما من لم تقم عليه الحجة مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر وأمثال ذلك، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم فإن أصروا كفروا حينئذ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل) أ هـ. مجموع الفتاوى (7/ 609 - 610)
ويقول أيضًا: (فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر، بل قد جعل الله لكل شيء قدرًا) أهـ مجموع الفتاوى (3/ 180)
فمذهب السلف عدم تكفير المتأولين من أهل القبلة ..
أهل القبلة يدخل فيهم إضافة إلى المسلم السني؛ الفاسق الملي أهل الأهواء أهل التأويل ..
أما الخوارج والمعتزلة ومن سار على دربهم كالزيدية وبعض المتكلمين كالشهرستاني في الملل والنحل فلا يدخلون المتأولين في أهل القبلة.
وقد تقدم ما نقله القاضي عياض في (فصل تحقيق القول في إكفار المتأولين) من كتابه الشفا (2/ 277) عن العلماء المحققين قولهم: (إنه يجب الاحتراز من التكفير في أهل التأويل، فإن استباحة دماء المصلين الموحدين خطر ... ) وستأتي الإشارة إلى ما ذكره أيضا في الشفا عمن لا يكفر من أضاف إلى الله ما لا يليق به لا على جهة السب والردة، ولكن على طريق التأويل أو نفي الصفة بدعوى التنزيه ونحوه ..
ويقول ابن الوزير: (قوله تعالى في هذه الآية الكريمة(( ولكن من شرح بالكفر صدرًا ) )يؤيد أن المتأولين غير الكفار، لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعا أو ظنًا، أو تجويزًا أو احتمالًا) اهـ. إيثار الحق على الخلق ص (437)
وأما ما يدفع به بعض الزنادقة والملاحدة، كفرهم الصريح من سفسطة وتمويه وتلاعب بالدين، فهو وإن سماه بعض الجهلة تأويلًا .. إلا أنه مردود وغير مستساغ ولا مقبول، وذلك لصراحة كفرهم ووضوحه .. والعبرة للمعاني والحقائق، لا للأسماء والألفاظ التي يتلاعب بها كثير من أهل الأهواء .. فكم من باطل زخرفه أصحابه ليعارض به الشرع.
ولذلك نقل القاضي عياض في الشفا قول العلماء: (إدعاء التأويل في لفظ صراح لا يقبل) أهـ (2/ 217)
ونص عليه شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص (527)