فمن ذلك قوله تعالى: (( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) ) (103 - 105) الكهف.
-يقول ابن جرير الطبري في تفسيره: (وهذا من أدل الدلائل على خطأ من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته .. )
إلى قوله: (ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعة مثابين مأجورين عليه، ولكن القول بخلاف ... ما قالوا؛ فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة وأن أعمالهم حابطة) أهـ ص 44 - 45. (ط. دار الفكر)
-وقال رحمه الله تعالى في تهذيب الآثار بعد أن سرد بعض الأحاديث التي تذكر الخوارج: (فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالمًا) أهـ نقلًا عن فتح الباري (كتاب استتابة المرتدين .. ) (باب من ترك قتال الخوارج .. )
-وقال ابن حجر في الباب نفسه: (وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينًا على الإسلام) أهـ
وسيأتي مزيد كلام على هذا في فصل أخطاء التكفير.
-والخلاصة هنا؛ أن العبرة في اشتراط العمد والقصد وانتفاءه كمانع من موانع التكفير أن يقصد إتيان الفعل المكفر، لا أن يقصد الكفر به.
(2) التأويل:
والمراد به هنا وضع الدليل الشرعي في غير موضعه باجتهاد، أو شبهة تنشأ عن عدم فهم دلالة النص، أو فهمه فهما خاطئا ظنه حقا، أو ظن غير الدليل دليلا، كالاستدلال بحديث ضعيف ظنه صحيحا، فيقدم المكلف على فعل الكفر وهو لا يراه كفرا، فينتفي بذلك؛ (شرط العمد) ، ويكون الخطأ في التأويل مانعًا من التكفير، فإذا أقيمت الحجة عليه وبين خطؤه فأصر على فعله كفر حينئذ.
ودليل هذا إجماع الصحابة على اعتبار هذا النوع من التأويل من باب الخطأ الذي غفره الله تعالى بالأدلة المتقدمة - وذلك في حادثة قدامة بن مظعون حيث شرب الخمر مع جماعه مستدلًا بقوله تعالى: (( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) )93 المائدة، كما روى ذلك عبد الرزاق في مصنفه ... وكان قدامة قد استعمله عمر على البحرين، فلما شهد عليه أبو هريرة وغيره وشهدت معهم امرأة قدامة أيضًا أنه شرب الخمر أحضره عمر وعزله، ولما أراد أن يحده استدل بالآية المذكورة فقال عمر: أخطأت التأويل (أخطأت إستك الحفرة) ... قال ابن تيمية في الصارم: (حتى أجمع رأي عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو وأصحابه، فإن