فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 187

فأتت عمر بن الخطاب فقالت: إن زوجي طلقني، فجاء زوجها فقص عليه القصة، فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها.

وهذا هو الفقه الذي يدخل على القلوب بغير استئذان، وإن تلفظ بصريح الطلاق وقد تقدم أن الذي قال لما وجد راحلته ... (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) أخطأ من شدة الفرح، لم يكفر بذلك وإن أتى بصريح الكفر، لكونه لم يرده) أهـ (3/ 76) وانظر أيضًا (4/ 229)

تنبيه:

ومن هذا تعرف أننا لا نعني بانتفاء القصد كمانع ما يشترطه كثير من مرجئة العصر كشرط تعجيزي للتكفير، يعتذرون به لكل طاغوت وزنديق ومرتد، وهي دعوى أن الإنسان لا يكفر حتى وإن أتى فعلًا أو قولًا مكفرًا -عامدًا - حتى ينوي ويقصد بذلك الخروج من الدين والكفر به.

وإنما نعني بمانع انتفاء القصد؛ (الخطأ) الذي يقابل العمد في شروط التكفير، أو عدم إرادة الفعل أو القول المكفر نفسه، وإرادة شيء آخر غيره ... كحكايته والتحذير منه، أو يقوله وهو لا يعرف مدلوله ونحو ذلك مما تقدم ..

أما إرادة الخروج من الدين، والكفر بذلك الفعل أو القول، فقّلَّ من يريده أو يصرح به أو يقصده، حتى اليهود والنصارى، لو سئلوا؛ هل يريدون الكفر ويقصدونه بقولهم إن المسيح أو العزيز ابن الله، أو نحو ذلك من كفرياتهم؟ لأنكروا ذلك ولنفوا إرادتهم للكفر ..

وكذلك حال كثير من الكفار الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا .. فأكثر الطواغيت وأنصارهم اليوم، إذا ما عددنا عليهم كفرياتهم، أنكروا ذلك، وأبوا أن يقروا بالكفر أو بإرادته أو بقصد الخروج من الدين، بل يبادرون بتأكيد أنهم مسلمون، ويحتجون بأنهم يصلّون ويشهدون أن لا إله إلا الله ...

وكذلك شأن كفار قريش، لم يقروا قط بكفرهم، أو بإرادتهم للكفر بعبادتهم للأوثان بل قالوا (( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) ).. وعلى العكس، فقد كانوا يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن على دينه بالكفر، فسموه (الصابئ) وهكذا حال أكثر الكفار إلا ما شاء الله ..

-كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ص177 - 178: (وبالجملة فمن قال وفعل ما هو كفر، كفر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرًا، إذا لا يقصد الكفر أحدًا إلا ما شاء الله) أهـ.

وقال أيضًا فيه ص (370) : (والغرض هنا أنه كما أن الردة تتجرد عن السب، فكذلك تتجرد عن قصد تبديل الدين وإرادة التكذيب بالرسالة، كما تجرد كفر إبليس عن قصد التكذيب بالربوبية؛ وإن كان عدم هذا القصد لا ينفعه، كما لا ينفع من قال الكفر أن لا يقصد الكفر) أهـ.

وقد أخبر الله تعالى عن أكثر الكفار أنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، بل يرون أنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت