فقد قال تعالى في بعض من كان أعلم أهل زمانه (من كبار العلماء) : {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} وقال تعالى في حق خيرة خلقه وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ... الآيات} الأنعام.
ويدل على هذا أيضا قصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي كان من كتبة الوحي، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد على عقبيه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ولو وجدوه متعلقا بأستار الكعبة .. ثم انه تاب ورجع إلى الإسلام عام الفتح، أحضره عثمان بن عفان - وكان أخاه من الرضاعة - إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعه .. وقصته برواياتها المختلفة بسطها وتكلم على فوائدها شيخ الإسلام في الصارم المسلول، والشاهد منها أن كونه من كتبة الوحي عند النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع من كفره وردته .. لما أتى بسببها ..
*لكن يفرق في هذا الباب بين ما كان كفرًا صراحًا مخرجًا من الملة فهو على ما ذكرنا ..
وبين ما ليس بكفر من الاجتهاد الخاطئ الذي يؤجر صاحبه على اجتهاده، أو العثرات التي قد يقع بها بعض أهل العلم أو طلبته، فلا ينبغي أن يساء الأدب معهم لأجلها، أو يتطاول عليهم بسببها، أو يزهد بعلمهم أو ينفر الشباب عن كتبهم بها خصوصًا إن كانوا من أنصار الدين القائمين به المتبرئين من الطواغيت والمرتدين.
-ففي صحيح البخاري (كتاب مناقب الأنصار) باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم) وذكر فيه أحاديث منها حديث أنس في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنصار وفيه قوله: (أوصيكم بالأنصار ... ) إلى قوله: (فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم) ..
-فأنصار الدين الذين هم من أهل الطائفة القائمة بدين الله، الذين يفنون أعمارهم ويبذلون مهجهم في نصرة دين الله وتوحيده، لهم نصيب من هذه الوصية النبوية في كل زمان.
فلتحفظ وصيته صلى الله عليه وسلم فيهم، وحذار من تسليط السفهاء وتطاول الرعاع عليهم، فإن في ذلك إقرار أعين أعداء الله، وأعداء هذه الدعوة المباركة .. ولا يقدم على مثل هذا عاقل أو فقيه.
7 -وليس من موانع التكفير في سبب معين من أسباب الكفر كون من سيكفرون به كثر، فدين الله لا يحابي أحدًا، وقد قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} .
وقال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} وقال سبحانه: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} .
وفي الحديث الذي يرويه أبو داود وابن ماجه عن ثوبان مرفوعًا: ( ... ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان) وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} .
قال: (ليخرجن منه أفواجًا كما دخلوا فيه أفواجًا) ، ويروى موقوفا على أبي هريرة.