فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 187

9 -وليس من موانع التكفير المعتبرة كون المكفِرين لا يقدرون على ترتيب آثار الكفر على من كفروه، كإقامة حد الردة أو تغير الحاكم الكافر ونحوه، فهذه شبه يطنطن بها مرجئة العصر، وقد تقدمت الإشارة إلى أقاويل بعض شيوخهم في ذلك، في الفصل الأول، وقد تعلق بذلك وقلدهم به سفهاؤهم وجهالهم، وهي من سفسطتهم وجدالهم بالباطل، إذ لو التزموا ذلك لأبطلوا به جميع الأحكام الشرعية ..

-إذ يلزمهم ما دمنا عاجزين عن إقامة حد الزنا، على من ثبت عليه الزنا بالبينة أو الاعتراف أو نحوه أنه ليس بزانٍ، وليبحث له عن أخرى!!

-وما دمنا عاجزين عن إقامة حد القتل على القاتل فإنه ليس بقاتل، ومن ثم فلا دية عليه ولا كفارة ولا توبة .. !!

-وما دمنا عاجزين عن إقامة حد القطع على السارق فلا يحل لنا أن نسميه سارقًا، إذ ما الفائدة من ذلك -كما يقولون-؟! فلنسمه إذن أمينًا ولنسلطه على أموال الناس!!

-وما دمنا غير قادرين على تغيير المنكرات الظاهرة، فلا يحل لنا أن نعرّف بها أو نحذر منها أو نسميها منكرًا، وما لم تكن منكرًا فهي حتمًا معروف .. وهكذا.

وفي هذا من الباطل ما يلزم منه فتح أبواب الفساد والإلحاد، وتسويغه وتهوينه على العباد.

والحق والصواب في هذا هو ما أمرنا الله تعالى به في محكم كتابه بقوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقال تعالى عن شعيب: {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت .. }

ومنه وضع الفقهاء قاعدتهم الفقهية المعروفة في أن (الميسور لا يسقط بالمعسور) .

فإذا عجز المسلمون في وقت من الأوقات عن الخروج على الحاكم الكافر وتغييره، فلا يعني هذا أن يتركوا تكفيره، بل هذا حكم شرعي يستطيعونه فيجب عليهم أن يتقوا الله فيه، وفي غيره مما هو من آثار تكفير الحكام ويستطيعونه، فيجتنبوا نصرته وتوليه والتحاكم إلى أحكامه الكفرية، ولا يولونه أمر دينهم، ولا يجعلون له عليهم سبيلا، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولا يدخلوا في بيعته أو يقاتلوا تحت رايته، أو يعينوه على باطله أو يظاهروه على مسلم، إلى غير ذلك مما يملكون فعله ويقدرون عليه، وأيضًا فإن معرفة كفر الحاكم، مدعاة إلى العمل الجاد والإعداد الذي يمكن في يوم من الأيام من تغييره.

بخلاف من كان الحاكم عنده مسلمًا، فإنه لن يرفع بذلك رأسًا، ولن يفكر يومًا ما بالإعداد الجاد لتغييره كما هو واقع مرجئة العصر في هذا الزمان.

فاختلاف الحكم على الحاكم عند كل فريق؛ هو الفرقان والميزان الذي يزن سلوك كل فريق ويميز توجهه وصبغته، ما بين موحد كافر بالطاغوت معادٍ له، أو مجتنب على أقل الأحوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت