فهرس الكتاب
كما قال سفيان الثوري رحمه الله لبعض من يناصحه: (إياك والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء، وإياك ويقال لك لتشفع عن مظلوم أوترد مظلمه، فإن ذلك خديعة إبليس، وإنما اتخذها فجار القراء سلما ... ) أهـ. [1]
فتأمل إبطاله استصلاح واستحسان بعض الفقهاء الدخول على الأمراء والدنو منهم بحجة تخفيف الظلم ودرء الفساد .. !! ويسمي ذلك (خديعة إبليس) ، وفي أي وقت يقول ذلك .. في أوائل خلافة بني العباس قبل المعتصم وقبل المأمون ونحوهم ممن أظهروا بدعهم وامتحنوا الناس .. وكانت عزة الخلافة وهيبتها قائمة، وفتوحات المسلمين وجحافلهم تدك حصون الكفر شرقا وغربا ..
فكيف به رحمه الله لو رأى خوالف زماننا الذين لم يتقربوا إلى الطواغيت والمرتدين وحسب .. بل دخلوا في دينهم وأقسموا على احترام دساتيرهم الشركية وشاركوا في تشريع قوانينهم الكفرية وصاروا لهم جندا محضرين وأنصارا مخلصين .. ؟؟
ثم لا يستحيون من أن يلصقوا ذلك الكفر البواح والشرك الصراح كله بالدين .. فيقولون: هي مصلحة الدعوة ونصر الدين!! بل هي مصلحة القروش والكروش .. ورحم الله سفيان إذ يقول: (إني لألقى الرجل أبغضه، فيقول لي: كيف أصبحت؟ فيلين له قلبي، فكيف بمن أكل ثريدهم، ووطيء بساطهم؟؟) أهـ من تذكرة الموضوعات ص 25.
فلا غرابة بعد هذا أن لا يكتفي أصحاب هذه الإستصلاحات الفاسدة الكفرية بالدفع بها عن شركياتهم التي خلطوها بالدين .. فقد تعدوا ذلك، إلى الدفع والإعتذار بها عن طواغيت الحكم وأنصارهم .. فمن الأعذار المضحكة في هذا الباب ما زعمه نائب (مشرع) إخواني، زارنا في السجن برفقة وزير الداخلية ومساعديه، وانزعج هو ومن معه لما أبينا السلام عليهم وواجهناهم بكفرهم، وأظهرنا براءتنا منهم ومن قوانينهم وحكمهم، ورفضنا - بفضل الله تعالى وتثبيته - أن نتقدم إليهم بأية مطالب، لما عرضوا ذلك .. وأنكرنا على ذلك النائب ما افتراه علينا في الصحافة من دعوى تكفير الناس، وبينا له ولمن معه أن ذلك محض افتراء، فنحن لا نكفر الناس بالعموم، فليست معركتنا مع عوام الناس، وإنما مع النظام المحارب لدين الله، وأننا إنما نكفره ونكفر من نصر قوانينه الكفرية وحرسها أو شارك في تشريعها .. وأننا ندعوهم دوما ليتركوا حراسة القوانين ويصيروا حراسا للشريعة وأنصارا للدين .. إنبرى ذلك النائب يدفع عن تكفير المذكورين بدعوى أنهم ينصرون الدين بمناصبهم هذه؛ فهم بزعمه يهيئون ويمهدون بمراكزهم ومناصبهم، لقيام الخلافة التي ستواجه أمريكا - كذا قال - ولم يستحي طرفة عين أن يقول ذلك على مسامعهم - وكان حاضرا يومها أعلى رتب في الأمن العام وأخبثهم وأشدهم حربا للدين - ممن لم يخطر ببال واحد منهم في يوم من الأيام ما زعمه هذا الزاعم وادعاه لهم من الأعذار التي لا يذكرونها هم أبدا، بل لو تلفظوا بها أو ادعوها فلربما يحاكمون عليها أو يطردون .. ولكن هذا مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من كلام النبوة الأولى: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) [2] أما هو فقد دفع عن نيابته التشريعية الشركية، مرة بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم لحلف الفضول، ولما قلنا له: إن حلف الفضول الذي مدحه النبي صلى الله عليه وسلم
(1) سير أعلام النبلاء (13/ 586) ولنا في هذا الباب رسالة لطيفة بعنوان (القول النفيس في التحذير من خديعة إبليس) أوردنا فيها فتوى لشيخ الإسلام حول رجل من اهل السنة قصد إلى هداية جماعة من قطاع الطرق بأن أقام لهم سماعا بدف بشعر مباح واستدرجهم بذلك حتى اهتدى منهم جماعة صاروا يتورعون عن الشبهات بعد أن كانوا لا يتورعون من الكبائر، فأبطل شيخ الإسلام هذه الطريقة البدعية رغم ما فيها من مصلحة ظاهرة وبين أن هذا الشيخ جاهل بالطرق الشرعية أو عاجز عنها وأن في الطرق الشرعية غنية عن أمثال هذه الطرق البدعية، أنظرها في مجموع الفتاوى (11/ 337) جزء التصوف، فكيف به رحمه الله تبارك وتعالى لو رأى استحسانات واستصلاحات من دخلوا في الكفر في زماننا بحجة مصلحة الدعوة والدين؟
(2) رواه البخاري وغيره من حديث أبي مسعود البدري.