الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعدادا وإمدادا وإرصادا وتأصيلا وتفريعا وتشكيلا وتنويعا وحكما وإلزاما، ومراجع ومستندات.
فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. فلهذه المحاكم مراجع، هي: القانون الملفق من شرائع شتى وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتمين إلى الشريعة وغير ذلك.
فهذه المحاكم في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون، وتُلزمهم به، وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم. فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمدا رسول الله بعد هذه المناقضة.
السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر، والقبائل من البوادي ونحوهم، من حكايات آبائهم وأجدادهم، وعاداتهم التي يسمونها"سلومهم"، يتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به ويحضون على التحاكم إليه عند النزاع، بقاء على أحكام الجاهلية، وإعراضا ورغبة عن حكم الله ورسوله [1] .
قلت: من يتأمل واقع كثير من حكام هذه الأمة - بعين الإنصاف والتجرد للحق - يجد أن هذه الأنواع الستة التي ذكرها الشيخ - وأن واحدة منها تكفر الحاكم وتخرجه من الملة - متوفرة فيهم جميعها ويتصفون بها، ويزيدون عليها خصلة الاستهانة والتهكم والاستهزاء بشرع الله، وخصلة أخرى ثامنة وهي: محاربتهم واضطهادهم لمن يطالبهم بالحكم بما أنزل الله ... ومع ذلك نجد - من مشايخ الإرجاء - من يتوقف عن تكفيرهم - رغبة أو رهبة - ويحمل عليهم مقولة: كفر دون كفر، والكفر العملي الأصغر!!
فإن قيل: كيف تحملونهم تبعات النوع السادس، وهو تحاكم القبائل والعشائر إلى الحكايات والعادات .. ؟
أقول: فهم يتحملون تبعات هذا النوع لأنهم يقرونهم على ذلك، ويشجعونهم عليه، ويعتبرون ذلك من خصوصيات القبائل التي لا ينبغي التدخل بها، وربما اعتبروها من التراث الشعبي الذي ينبغي المحافظة عليه .. والرضى بالشيء كفاعله، والرضى بالكفر كفر.
و ربما كان سكوتهم عليهم وتشجيعهم لهم من باب إضعاف شوكة المطالبة بالحكم بما أنزل الله، فهم مما عُرفوا فيه أنهم كل ما يصب في إضعاف شوكة الإسلام والمسلمين، يشجعونه ويروجونه، ويسكتون عليه.
5 -الشنقيطي:
قال رحمه الله: أما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض، فتحكيمه كفر بخالق السماوات والأرض، كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث، وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك.
فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السماوات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها سبحانه وتعالى عن أن يكون معه مشرع آخر علوا كبيرا {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} .
(1) رسالة تحكيم القوانين.