و إن الناس إما أن يقبلوا من الحكام والقضاة حكم الله وقضاءه في أمورهم، فهم مؤمنون وإلا فما هم بالمؤمنين ... و لا وسط بين هذا الطريق وذاك، ولا حجة ولا معذرة ولا احتجاج بمصلحة.
و ليس لأحد من عباده أن يقول إنني أرفض شريعة الله، أو أنني أبصر بمصلحة الخلق من الله، فإن قاله - بلسان أو بفعل - فقد خرج من نطاق الإيمان. فما يمكن أن يجتمع الإيمان وعدم تحكيم شريعة الله، أو عدم الرضى بحكم هذه الشريعة.
و الذين يزعمون لأنفسهم أو لغيرهم أنهم"مؤمنون"ثم هم لا يحكمون شريعة الله في حياتهم، أو لا يرضون حكمها إذا طبق عليهم، إنما يدعون دعوى كاذبة، وإنما يصطدمون بهذا النص القاطع {و ما أولئك بالمومنين} .
فمن شاء أن يقول: إن البشرية في طور من أطوارها لا تجد في هذا الكتاب حاجتها فليقل، ولكن ليقل معه إنه - والعياذ بالله - كافر بهذا الدين مكذب بقول رب العالمين.
و هكذا تتبين القضية بقول الله سبحانه {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون إلى الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} .
هكذا تتبين القضية .. إله واحد، ومالك واحد .. إذن فحاكم واحد ومشرع واحد، ومتصرف واحد .. وإذن فشريعة واحدة، ومنهج واحد وقانون واحد .. وإذن فطاعة واتباع وحكم بما أنزل الله، فهو إيمان وإسلام. أو معصية وحكم بغير ما أنزل الله، فهو كفر وظلم وفسوق.
ما الذي يستطيع أن يقوله من ينحي شريعة الله عن حكم الحياة، ويستبدل بها شريعة الجاهلية وحكم الجاهلية، ويجعل هواه هو أو هوى شعب من الشعوب أو هوى جيل من أجيال البشر، فوق حكم الله، وفوق شريعة الله؟!
ما الذي يستطيع أن يقوله وبخاصة إذا كان يدعي أنه من المسلمين؟!! الظروف؟ الملابسات؟ عدم رغبة الناس؟ الخوف من الأعداء؟ ألم يكن هذا كله في علم الله وهو يأمر المسلمين أن يقيموا بينهم شريعته وأن يسيروا على منهجه، وألا يُفتنوا عن بعض ما أنزله؟
قصور شريعة الله عن استيعاب الحاجات الطارئة، والأوضاع المتجددة والأحوال المتقلبة؟ ألم يكن ذلك في علم الله وهو يشدد هذا التشديد ويحذر هذا التحذير؟
يستطيع غير المسلم أن يقول ما يشاء، ولكن المسلم أو من يدعون الإسلام ما الذي يقولونه في هذا كله، ثم يبقون على شيء من الإسلام أو يبقى لهم شيء من الإسلام، إنه مفرق الطريق الذي لا جدوى عنده من الاختيار، ولا فائدة في المماحكة عنده ولا الجدال .. إما إسلام وإما جاهلية، إما إيمان وإما كفر، إما حكم الله وإما حكم الجاهلية ..
و مجرد الاعتراف بشرعية منهج أو وضع أو حكم من صنع غير الله، هو بذاته خروج من دائرة الإسلام لله، فالإسلام لله هو توحيد الدينونة له دون سواه [1] .
أقول (المرشدي) : تبين من هذا مع ما قبله إن الدستور والقانون اليمني طاغوت يجب الكفر به وقول القائل أن الحكم الأعلى والسيادة المطلقة في الدستور اليمني هي للشريعة الإسلامية قول غير صحيح بل هو قول باطل لا يقوله إلا جاهل بالدستور والقانون أو جاهل بالشرع وكلاهما لا يجوز له الفتيا في هذا الباب فمن أفتى بجهل فقد ضل و أضل وما أكثرهم لا كثرهم الله.
(1) طريق الدعوة في ظلال القرآن: 2/ 52 و173 و189 و196.