الشبهة الثانية:-
(يقولون إن الانتخابات كانت في صدر الإسلام والدليل أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه استفتى الناس في اختيار عثمان وعلي ... وقال قضيت أياما لم تغمض عيني سألت المسلمين حتى النساء في خدرهن من يرضون ومن يخارون. هذا القول فيه دليل من فعل الصحابة رضي الله عليهم على جواز الانتخابات)
أقول:
أولًا: إجماع الصحابة رضوان الله عليهم حجة لا ريب في ذلك حتى أن علماء الأصول الذين شككوا في إمكانية وقوع الإجماع قد اتفقوا على حجية إجماع الصحابة رضوان الله عليهم.
يقول الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه إرشاد الفحول ص303 - 304 (المبحث السابع: حكم إجماع الصحابة: إجماع الصحابة حجة بلا خلاف، ونقل القاضي عبد الوهاب عن قوم من المبتدعة أن إجماعهم ليس بحجة. وقد ذهب إلى اختصاص حجية الإجماع بإجماع الصحابة داود الظاهري، وهو ظاهر كلام ابن حبان في صحيحه، وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال في رواية أبي داود عنه: الإجماع أن يتبع ما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن أصحابه، وهو في التابعين مخير. وقال أبو حنيفة: إذا أجمعت الصحابة على شيء سلمنا، وإذا أجمع التابعون زاحمناهم) أ. هـ
فإجماع الصحابة حجة بالاتفاق.
ثانيًا: هذه القصة رواها ابن كثير رحمة الله في كتابه البداية والنهاية ج7/ 138 - 139 قال (ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم جميعا وأشتاتا، مثنى وفرادى، ومجتمعين، سرا وجهرا، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة، في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنين يختلفان في تقدم عثمان بن عفان، إلا ما ينقل عن عمار والمقداد أنهما أشارا بعلي بن أبي طالب، ثم بايعا مع الناس على ما سنذكره، فسعى في ذلك عبد الرحمن ثلاث أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاء واستخارة، وسؤالا من ذوي الرأي عنهم، فلم يجد أحدا يعدل بعثمان بن عفان رضي الله عنه) أ. هـ
هذه القصة كما وردت عند ابن كثير رحمه الله تعالى ولازلت أنا بحاجة لمزيد من البحث في ثبوت هذا الخبر عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إن كان قد روي في الأخبار والتاريخ إلا أن التاريخ وكتبه متساهلة في نقل الأخبار لأنها ليست بالكتب المعتمدة في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان أئمة الحديث رضي الله عنهم إذا رووا في الأحكام شددوا إذا رووا في الأخبار والسير والمغازي والتاريخ تساهلوا لأن الأحكام الفقهية تؤخذ من الكتاب والسنة الصحيحة والمقبولة ولا تعتمد كتب السير والمغازي والتاريخ في ذلك إلا بعد التأكد من صحة الخبر.
ثالثًا: إن ثبت ذلك عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه بإجماع الصحابة فهو حجة لازمة لا يخالفها إلا مخطئ ولكن ذلك - أعني فعل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه - ليس فيه حجة للديمقراطيين بل الذي فعله رضي الله عنه هو أنه سأل المسلمين من هو الأفضل في نظرهم لخلافة المسلمين وذلك لا حرج فيه ثم إن عثمان رضي الله عنه لم يكن خليفة باختيار الأغلبية حتى تمت البيعة الشرعية، ثم لم يكن لازما على عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن سأل الناس بل هو اختار ذلك وله ذاك ولو أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لم يشاور